الدليل العربي
حقوق الإنسان والتنمية
الفهرس
تقديم
مقدمة
المشاركون في إعداد الدليل
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الإتفاقيات الدولية
القانون الدولي لحقوق الإنسان والحقوق المترابطة

د. محمد نور فرحات
 
أستاذ فلسفة القانون ، بكلية الحقوق ، جامعة الزقازيق - جمهورية مصر العربية



سنحاول في هذا الفصل الإجابة على الأسئلة الآتية :


1- ما هو مفهوم حقوق الإنسان من المنظور الدولي؟ و ما هي أهم الوثائق التي تضم حقوق الإنسان وتنظمها في شكل نصوص محددة؟ (المواثيق العالمية والإقليمية والوطنية)

2-ما هي علاقة مفهوم حقوق الإنسان بقواعد القانون الدولي ذات الصلة وهي على وجه التحديد القواعد الخاصة بمنظمة العمل الدولية والقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية اللاجئين ؟

3- ما هو وضع القانون الدولي لحقوق الإنسان في التشريع الوطني ؟

4- ما هي العلاقة بين حقوق الإنسان والديموقراطية في السياقات العالمية والعربية؟ ومنهجنا في الإجابة على هذه الأسئلة محكوم بالهدف من إعداد هذا الدليل، أي هو المنهج الوصفي الذي يسعى إلى أن يقدم للقارئ القدر الكافي من المعلومات عن المسألة محل النقاش دون الخوض في تفصيلات أو مسائل خلافية قد لا يكون هذا محلها. كما أننا سنحاول الابتعاد عن الصياغات الفقهية ذات الطابع الفني القانوني التي قد لا يحيط بها سوى رجال القانون وحدهم، ما دام هذا الدليل موجهاً إلى جمهور المهتمين بقضايا حقوق الإنسان وليس إلى القانونيين وحدهم.

كما تجد هذه الصفة الإنسانية الشاملة للحقوق سندها أيضا من نص المادة الثانية من الإعلان التي تقرر أن "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر".

هذا الطابع الإنساني الشامل للحقوق يضفي عليها طابعا أخلاقيا ، ويجعلها حقوقا غير قابلة للتنازل عنها، وغير مشروعة الانتهاك لأي سبب من الأسباب. وتصبح هذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية ولا تستمد شرعيتها من أي نظام قانوني وضعي.

فإذا أصدرت الدولة الوطنية تشريعا ينتهك حقوق الإنسان لمواطنيها بأن يحرمهم من حرياتهم الطبيعية مثلا أو يميز بينهم بسبب الدين أو الأصل أو اللغة أو العرق كان هذا القانون عاريا من الشرعية القانونية وكانت الدولة التي أصدرته عارية من الشرعية السياسية(1).


أولا : مفهوم حقوق الإنسان من المنظور الدولي


عادة ما يعرف الباحثون حقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان بوصفه إنسانا. هذا التعريف يجد سنده فيما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقولها "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الإخاء".

كما تجد هذه الصفة الإنسانية الشاملة للحقوق سندها أيضا من نص المادة الثانية من الإعلان التي تقرر أن "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر".

هذا الطابع الإنساني الشامل للحقوق يضفي عليها طابعا أخلاقيا ، ويجعلها حقوقا غير قابلة للتنازل عنها، وغير مشروعة الانتهاك لأي سبب من الأسباب.

وتصبح هذه الحقوق هي بذاتها مصدر الشرعية ولا تستمد شرعيتها من أي نظام قانوني وضعي. فإذا أصدرت الدولة الوطنية تشريعا ينتهك حقوق الإنسان لمواطنيها بأن يحرمهم من حرياتهم الطبيعية مثلا أو يميز بينهم بسبب الدين أو الأصل أو اللغة أو العرق كان هذا القانون عاريا من الشرعية القانونية وكانت الدولة التي أصدرته عارية من الشرعية السياسية(1).


وبطبيعة الحال يمكن تتبع حقوق الإنسان في التراث الديني والفكري للبشرية لقرون عدة سابقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. فلا تخلو ديانة من الديانات من نصوص حول تكريم الإنسان. ولا تخلو ثقافة من الثقافات من مبادئ للرحمة والعدل والإنصاف.

ولكننا عندما نتحدث عن التراث العالمي المعاصر لحقوق الإنسان فإنما نعنى به مجموعة المبادئ الملزمة التي اتفقت الجماعة الإنسانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تحديدا على الالتزام بها التزاما قانونيا يجد سنده في آليات دولية وداخلية تكفل تحقق ذلك الالتزام. أي أن حقوق الإنسان في عصرنا هذا لم تعد مجرد مبادئ فاضلة تحض عليها الأخلاق القويمة أو تعاليم تحض عليها الأديان ولكنها تحولت إلى التزامات قانونية يتعرض من يخالفها لجزاءات على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية.

فمصطلح حقوق الإنسان إذن يشير إلى مجموعة الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية التي نصت عليها المواثيق الدولية والتي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز تجريده منها لأي سبب كان بصرف النظر عن كل مظاهر التمييز مثل الدين واللغة واللون والأصل والعرق والجنس وغير ذلك.

فئات الحقوق :

جرى العمل على تقسيم حقوق الإنسان إلى فئات وفقا لموضوعها ووفقا لمصادرها ووفقا لنطاقها الإقليمي. فمن حيث الموضوع تنقسم الحقوق إلى حقوق مدنية وسياسية وحقوق اقتصادية واجتماعية بالإضافة إلى الحقوق الجماعية أو التضامنية أو الحقوق الجديدة التي تعنى لحماية حقوق فئات خاصة.

 الحقوق المدنية والسياسية وهي الفئة التقليدية من فئات حقوق الإنسان التي ظهرت مع نمو التيار الليبرالي بدءا من كتابات ووثائق الثورة الفرنسية وحتى الآن. ويأتي في مقدمة هذه الحقوق الحق في الحياة وقد نصت عليه المادة الثالثة من الإعلان العالمي والمادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومؤدى هذا الحق تحريم الاعتداء على الحياة الإنسانية إلا لسبب يحدده القانون لضرورة في الحفاظ على الحياة الإنسانية ذاتها.

كما سيأتي تفصيله فيما بعد عند الحديث عن مضمون الحقوق. وتشمل الحقوق السياسية والمدنية أيضا حقوقا كثيرة مثل مبدأ المساواة أمام القانون والحق في الحرية والكرامة والسلامة الشخصية وما يتبع ذلك من ضمانات قانونية ضد القبض التعسفي والاعتقال التعسفي والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الفكر والمعتقد، وحرية التنقل، وحرية إصدار الصحف، والحق في سلامة الجسم والحق في المشاركة السياسية، والحقوق القانونية كمبدأ المساواة أمام القانون وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة واستقلال القضاء وغير ذلك.

أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتدين في نشأتها وزيادة الوعي بها إلى نمو وتصاعد تيارات الفكر الاشتراكي. وتتمثل هذه الحقوق في الحقوق اللازمة للرفاهية الاجتماعية والاقتصادية والنمو الثقافي للإنسان مثل الحق في التعليم وفي التمتع بمنتجات العلم والثقافة وفي المسكن الملائم وفي الرعاية الصحية وفي التنظيم النقابي وغير ذلك.

أما الحقوق الجماعية أو التضامنية فهي الحقوق المقررة لجماعات من الناس مثل الحق في التنمية والحق في تقرير المصير والحق في البيئة النظيفة الخالية من التلوث، وتزداد يوما بعد يوم الأهمية التي تكتسبها هذه الحقوق. ويذهب البعض إلى تقسيم حقوق الإنسان تقسيما موضوعيا عاما وفقا لمجالات الحماية بالقول بأنها تشمل المجالات التالية:

الحق في السلامة الجسمية ويشمل الحق في الحياة والحرية والأمن والحماية من التعذيب وحرية الانتقال واللجوء، والحق في المستوى اللائق للمعيشة، والحق في الرعاية الصحية، والحق في الأسرة والزواج، والحق في العمل والحق في التأمين الاجتماعي والحق في التعليم والتدريب وحق الملكية والحق في الحماية القانونية مثل التمتع بالجنسية ومبدأ المساواة أمام القانون وحق المحاكمة العادلة وحقوق المتهمين والمذنبين، والحق في الحماية العقلية والمعنوية، والحقوق السياسية والديموقراطية والحقوق الجماعية مثل حق تقرير المصير والحق في التنمية والحق في البيئة وحقوق الأقليات والفئات الاجتماعية المضرورة كالمرأة والطفل.


مصادر حقوق الإنسان:


1-المواثيق العالمية


"المواثيق العالمية هي التي تتسع دائرة خطابها لتشمل الأسرة الإنسانية الدولية بأسرها دون أن تتقيد بإقليم محدد أو بجماعة بعينها. والأمثلة الظاهرة على هذه المواثيق ما صدر عن منظمة الأمم المتحدة من إعلانات واتفاقات وعهود لحماية وتطوير حقوق الإنسان، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،ثم العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى اتفاقية إزالة كافة أشكال التميز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل وما سبق وتلا ذلك من اتفاقات وإعلانات.

كان تأمين احترام حقوق الإنسان أحد الأهداف الرئيسية لقيام منظمة الأمم المتحدة التي وقع ميثاقها في سان فرانسسكو عام 1945. فالفقرة الثانية من المادة الأولى من الميثاق تتحدث عن حق تقرير المصير الذي هو أساس لحقوق الإنسان جميعها. والفقرة الثالثة من نفس المادة جعلت من أهداف الأمم المتحدة تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ..." وسجلت المادة 56 تعهد الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة بالقيام بأعمال انفرادية ومشتركة لتحقيق احترام ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع.

وتنص المادة الستون على أنه للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يقدم توصيات تتعلق بإشاعة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومراعاتها. ورخصت المادة الثامنة والستون للمجلس أن ينشئ لجانا لتحقيق أهدافه، فتم إنشاء لجنة حقوق الإنسان التي لعبت وما تزال دورا مهما في إعداد مشروعات اتفاقيات حقوق الإنسان التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويأتي في مقدمة المصادر العالمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948. هذا الإعلان وإن ذهب بعض رجال القانون على أنه ذو طابع أدبي غير ملزم لأنه لم يصدر في شكل اتفاقية دولية ملزمة لأطرافها إلا أنه من المستقر عليه الآن أن مبادئ هذا الإعلان تدخل في قواعد القانون الدولي العرفي التي استقرت في ضمير الجماعة الإنسانية وتعتبر قواعد دولية آمرة لا يجوز انتهاكها بصرف النظر عن إعلان الدولة الوطنية لقبولها من عدمه.

وقد تبع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مجموعة من الوثائق الدولية في شكل اتفاقات أو إعلانات شكلت اليوم ما يعرف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويأتي في مقدمة هذه الوثائق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، ويشكل هذين العهدين بالإضافة إلى الإعلان العالمي ما يعرف اليوم باسم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان International Bill of Human Rights 2.

وتبع ذلك مجموعة من المواثيق الخاصة صدرت في شكل معاهدات دعت الأمم المتحدة الدول المختلفة للانضمام إليها والتوقيع والتصديق عليها. ويقسم الباحثون هذه المواثيق إلى فئات ثلاث:

أولا : مواثيق حماية الجماعات الأكثر حاجة للحماية مثل الأطفال والنساء والمعاقين وكبار السن والأقليات والأجانب واللاجئين وعديمي الجنسية.

من هذه المواثيق اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (1967) واتفاقية حقوق الطفل (1989) واتفاقه وضع اللاجئين (1951) والبروتوكولات الملحقة بها.

ثانيا : المواثيق الخاصة بحقوق محددة. وهي التي تحيط بعناية إضافية بعض الحقوق التي شملتها المواثيق العامة. مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965) والاتفاقية الخاصة بمنع الرق، واتفاقية منع السخرة واتفاقية منع التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي واتفاقية علاقات العمل واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

ثالثا : مواثيق تطبق خلال النزاعات المسلحة : وهذه تعرف باسم القانون الدولي الإنساني وهو القانون الذي يهدف إلى ضبط سلوك المتحاربين أثناء النزاعات المسلحة بما يؤدى إلى تخفيف معاناة ضحايا الحروب الخاضعين لسلطة العدو. هذا القانون يتمثل في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 حيث تتعلق الاتفاقية الأولى بتحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان، وتتعلق الاتفاقية الثانية بتحسين حال المرضى والجرحى والغرقى في البحار، وتتعلق الاتفاقية الثالثة بحماية أسرى الحرب، أما الاتفاقية الرابعة فهي تتعلق بشأن حماية المدنيين وقت الحرب(3).


2-المواثيق الإقليمية:


المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان هي تلك التي تخاطب نطاقا إقليميا محددا أو مجموعة جغرافية خاصة غالبا ما يجمعها جامع ثقافي متميز.

 وهناك أسباب عدة تبرر لجوء الجماعات الإقليمية إلى التنظيم القانوني الدولي لمسائل حقوق الإنسان : منها رغبة المجموعات الإقليمية في التأكيد على الحقوق المنصوص عليها في المواثيق العالمية وإكسابها طابعا إلزاميا إقليميا أكثر إلزامية مما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، ومنها تضمين المواثيق الإقليمية حقوقا جديدة لم تتضمنها المواثيق العالمية استجابة لاعتبارات الخصوصية الثقافية الإقليمية، ومنها رغبة المجموعة الإقليمية في وضع آليات للرقابة أكثر فعالية على المستوى الإقليمي(4).

وتنص هذه المواثيق على مبادئ حقوق الإنسان محل الحماية التي تتفق في مجملها مع المبادئ والمعايير الدولية وإن عكست خصوصية كل مجموعة إقليمية بالتركيز على أنواع معينة من الحقوق. كما تنص أيضا آليات الحماية التي تتبع للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان في الدول المعنية.

 وسوف يأتي الحديث عن هذا تفصيلا في موقعه من هذا المؤلف.

ومن أهم المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان:

المواثيق الأوروبية، والمواثيق الأمريكية، والمواثيق الأفريقية ثم المواثيق العربية لحقوق الإنسان .
وآخر هذه المواثيق الميثاق العربي لحقوق الإنسان. وقد صدر مؤخرا عن مجلس الجامعة بناء على المساعدة الفنية الاستشارية التي تلقتها الجامعة من مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وهذا الميثاق لم يدخل حيز النفاذ بعد. وتبرز في ثنايا هذا الميثاق خصوصية الواقع السياسي والثقافي العربي في إطار الالتزام العام بالمبادئ العالمية لحقوق الإنسان.

فهو ينص في ديباجته على أنه جاء تحقيقا للمبادئ الخالدة للدين الإسلامي الحنيف والديانات السماوية الأخرى في الأخوة والمساواة والتسامح بين البشر كما يؤكد على إيمانه بوحدة الوطن العربي مناضلا دون حريته وعلى رفضه لكافة أشكال العنصرية والصهيونية التي تشكل انتهاكا لحقوق الإنسان. ويؤكد الميثاق في مادته الثانية على حق الشعوب في تقرير المصير وعلى حق الشعوب في العيش تحت ظل السيادة الوطنية والوحدة الترابية وعلى أن كافة أشكال العنصرية والصهيونية والاحتلال والسيطرة الأجنبية هي تحد للكرامة الإنسانية وعائق أساسي يحول دون الحقوق الأساسية للشعوب.

 ثم استطرد الميثاق في مواده في النص على الحقوق المدنية والسياسية (الماد من6 حتى 33) والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المواد من34حتى42) وقد نص الميثاق على آلية لتفعيل نصوصه وهي اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي ينتخب أعضاؤها السبعة من الدول الأعضاء من ذوى الخبرة والكفاءة العالية ويعملون بصفتهم الشخصية بكل تجرد ونزاهة، وترفع تقريرا سنويا علنيا إلى مجلس الجامعة عن ملاحظاتها وتوصياتها عن التزام الدول بأحكام الميثاق. وهذا الميثاق في عمومة أفضل كثيراً من الميثاق السابق عليه سواء بالنسبة لمضمون الحقوق التي تناولها أو بالنسبة لآلية مراقبة تنفيذ نصوصه وإن لم يرتفع بالنظام العربي لحقوق الإنسان إلى مستوى التنظيم الدولي العالمي الذي يعمل بطريقة أكثر كفاءة وفعالية وسيكون لهذا موضوعا لحديث لاحق.

المصادر الوطنية :


ونعنى بها نصوص التشريع الوطني التي تنص على مبادئ حقوق الإنسان. وفي مقدمة هذه المصادر تأتى الدساتير الوطنية التي لا يخلو أي منها من فصل خاص بالحقوق والحريات الأساسية. وأهمية النص على حقوق الإنسان في الدستور الوطني أن هذه الحقوق تصبح ملزمة للمشرع والقاضي إعمالا لمبدأ المشروعية.

ولكن هناك وسائل ابتدعها المشرع العربي لتمرير انتهاكات حقوق الإنسان سيأتي الحديث عنها في حينه.

وتتوزع مبادئ حقوق الإنسان بين مختلف فروع التشريع العادي. فقانون العقوبات يضع النصوص العقابية التي تجرم انتهاكات حقوق الإنسان وتعاقب عليها. وقانون الإجراءات الجنائية يتضمن النصوص الخاصة بحقوق وضمانات المتهمين في مرحلة المحاكمة وما قبل المحاكمة.

وقانون السلطة القضائية وقوانين المرافعات والإجراءات تتضمن مبادئ استقلال القضاء وضمانات الحق في المحاكمة العادلة، وقوانين الأحزاب والمشاركة السياسية وغيرها تتضمن الحق في المشاركة السياسية، وقوانين الجمعيات تنظم حق تكوين الجمعيات، وقوانين الصحافة تنظم الحريات الصحفية وقوانين التعليم والإسكان والرعاية الصحية والنقابات تنظم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهلم جراً.

 وليست التشريعات العادية متوافقة دائما مع المبادئ الدولية لحقوق الإنسان كما عبرت عنها المواثيق الدولية، بل كثيرا ما تكون غير ذلك. هنا نكون أمام انتهاك من الدولة لالتزامها الدولي فضلا عن شبهة مخالفة تشريعاتها لدستورها الوطني، وهذا ما سنتعرض له لاحقا.

مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية:


يشير اصطلاح عالمية مبادئ حقوق الإنسان إلى كونها واجبة التطبيق في كافة المجتمعات الإنسانية بصرف النظر عن تمايزاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وتنبع الطبيعة العالمية لمبادئ حقوق الإنسان من كونها حقوقا مترتبة على مجرد الصفة الإنسانية دون نظر إلى الجنس أو اللغة أو الدين أو العرق أو المعتقد.

هذه الصفة العالمية لمبادئ حقوق الإنسان أفصحت عنها بوضوح ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقر هذه الحقوق "لما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم" كما أكدت عليها المادة الخامسة بكل من العهدين بقولها "ليس في هذا العهد أي حكم يمكن تأويله على نحو يفيد انطواءه على حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه".

ومفهوم هذا النص عدم جواز إهدار الحقوق والحريات تحت أي دعوى بما فيها دعوى الخصوصية الثقافية والاجتماعية. وهذا الحكم موجه إلى الدول والجماعات والأشخاص على قدم المساواة(5).

وقد أكدت المؤتمرات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على مبدأ العالمية. من ذلك مؤتمر طهران الذي عقد في سنة 1968 ونص في وثيقته الختامية على "أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمثل تفاهما تشترك فيه شعوب العالم على ما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من حقوق غير قابلة للتصرف والانتهاك" وبالمثل أكد الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته الافتتاحية للمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان (فيينا 1993) على عالمية مبادئ حقوق الإنسان باعتبارها ركيزة أساسية لفهم الأمم المتحدة لهذه الحقوق.

 وقد تبنت الوثيقة الختامية للمؤتمر هذا المنحى.

ومن ناحية أخرى فمن غير المتصور إنكار وجود تمايزات ثقافية بين مختلف شعوب العالم، الأمر الذي يجعلها تتمتع بخصوصيات ثقافية لا سبيل لتجاوزها، خصوصيات تجد تجلياتها في اللغة والأدب والدين والتراث الفكري ومختلف صور المعارف والقيم والمعتقدات التي تميز شعوب العالم عن بعضها وتطبعها بطابع ثقافي وحضاري خاص. هذا التمايز وتلك الخصوصيات الثقافية والحضارية قد تؤكد في النهاية وتدعم منظومة مبادئ حقوق الإنسان العالمية، وقد تكون في بعض تجلياتها متعارضة مع تلك المبادئ ومتناقضة معها.

ومن المستقر عليه في أدبيات حقوق الإنسان أن الخصوصيات الثقافية التي تثرى المبادئ العالمية لحقوق الإنسان يجب التعامل معها بإيجابية باعتبارها رافدا مهما لتأكيد ثقافة حقوق الإنسان ونشرها، وأن التراث أو المعتقدات التي قد تبدو شبهة تعارض بينها وبين مبادئ حقوق الإنسان العالمية لابد من التعامل معها على أنها إرث تاريخي نسبى أنتجته الثقافة الاجتماعية محكومة بظروف تاريخية محددة.

 ويدخل في ذلك تراث عدم المساواة الذي قد يوجد لدى بعض المعتقدات الآسيوية (الترج الاجتماعي في العقائد الهندوسية مثلا) والتأكيد على التفوق العنصري لشعب من الشعوب الذي قد يوجد في بعض النصوص الدينية وغير ذلك من الموروثات الثقافية التي لا يخلو منها إرث ثقافي لشعب من شعوب العالم. إن هذه الخصوصيات الثقافية المناقضة لمبادئ حقوق الإنسان العالمية يجب أخذها في الاعتبار كعوائق يجرى التعامل معها بحرص عند النظر في نفاذ مبادئ حقوق الإنسان العالمية في مجتمع من المجتمعات.

على أن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب الثقافي لمسألة العالمية والخصوصية لحقوق الإنسان. فالجانب الأكبر لهذه القضية ذو طابع سياسي. فالدول الأكثر انتهاكا لمبادئ حقوق الإنسان لمواطنيها هي التي تتذرع بالخصوصية الثقافية لمجتمعاتها للتهرب من استحقاق التزامها بالمبادئ العالمية لحقوق الإنسان.

وقد أسفر هذا الطابع الذرائعي عن نفسه في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان عندما انحازت أغلب الدول العربية والإسلامية ودول العالم الثالث إلى التأكيد على اعتبارات الخصوصية الثقافية في حين تمسكت دول أوروبا والولايات المتحدة بالتأكيد على الطابع العالمي لحقوق الإنسان.

 ولا يخلو هذا التأكيد الأخير من الطابع الذرائعي بدوره. فعالمية مبادئ حقوق الإنسان هي التي تعطى للدول الكبرى ذريعة التدخل في الشئون الداخلية للدول الصغرى بطريقة انتقائية غالبا ولأسباب سياسية بحجة أن حقوق الإنسان العالمية تخرج عن أن تكون منحصرة في الشأن الداخلي للدولة الوطنية بحسبانها شأن عالمي يجيز التدخل ولو باستخدام العقوبات الاقتصادية والعسكرية تطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

 وهكذا يبدو أن الانتهازية السياسية من مختلف دول العالم أضاعت قضية حقوق الإنسان تحت شعارات العالمية والخصوصية. فباسم الخصوصية تنتهك حقوق المواطنين وباسم العالمية تنتهك سيادة الدول لأسباب سياسية بحتة.

والقول الفصل في هذه المسألة هو ما عبرت عنه المنظمات غير الحكومية على المستوى العربي والعالمي. فقد لاحظ المؤتمر العربي لحقوق الإنسان الذي عقد تمهيدا لعقد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بمبادرة من المنظمة العربية لحقوق الإنسان "إن قضية الخصوصية الحضارية كانت بمثابة كلمة الحق التي يراد بها الباطل.

 فالخصوصية الحضارية مفهوم صحيح في ذاته وضروري لمواجهة التنـوع الاجتماعي والثقافى بين بلدان العالم وثقافاته المختلفة ولكن من المؤكد أنه استخدم بشكل نمطي ثابت من جانب النظم العربية للتحلل من التزامات قانونية وواجبات إنسانية .... وتفهم منظمات حقوق الإنسان قضية الخصوصية من منظور مختلف يبدأ من منطق أن الخصوصية لا ينبغى أن تقوض المبدأ العام وتشترط تدعيم المعايير الدولية لا الانتقاص منها وتشدد على القضايا الأكبر إلحاحا فى بلادنا وليس تجاوزها " (6).



ثانيًا القانون الدولي لحقوق الإنسان والقوانين الدولية الأخرى ذات الصلة


1- القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني :


كما أوضحنا سلفا يعنى القانون الدولي لحقوق الإنسان بحماية حقوق الإنسان بصفة عامة في أوقات السلم والحرب، في الظروف العادية وفي أوقات الكوارث والأزمات، في حين تقتصر الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني على حماية حقوق الإنسان وقت النزاعات المسلحة.


فالقانون الأول قانون عام وشامل لكافة أنواع الحقوق في كافة الظروف في حين أن القانون الثاني هو قانون خاص وضيق يسبغ الحماية على أنواع محددة من الحقوق في ظرف استثنائي خاص هو ظرف النزاعات المسلحة.


ومن الناحية الفنية يعرف القانون الدولي الإنساني بأنه مجموعة المبادئ والقواعد المتفق عليها دوليا والتي تهدف إلى الحد من استخدام العنف في وقت النزاعـات المسلحـة عن طريق والثقافي بين بلدان العالم وثقافاته المختلفة ولكن من المؤكد أنه استخدم بشكل نمطي ثابت من جانب النظم العربية للتحلل من التزامات قانونية وواجبات إنسانية .... وتفهم منظمات حقوق الإنسان قضية الخصوصية من منظور مختلف يبدأ من منطق أن الخصوصية لا ينبغي أن تقوض المبدأ العام وتشترط تدعيم المعايير الدولية لا الانتقاص منها وتشدد على القضايا الأكبر إلحاحا في بلادنا وليس تجاوزها"(6).




حماية الأفراد المشتركين في العمليات الحربية أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها والجرحى والمصابين والأسرى والمدنيين، وكذلك عن طريق جعل العنف في المعارك العسكرية مقتصرا على الأعمال الضرورية لتحقيـق الهدف العسكري(7). وتتمثل مصادر القانون الدولي الإنساني في فئات ثلاث.

 أولها اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949: وهي اتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضى في الميدان واتفاقية تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى في البحار واتفاقية معاملة أسرى الحرب واتفاقية حماية السكان المدنيين.

والفئة الثانية هي ما يطلق عليه قانون لاهاى ويشمل الاتفاقيات التي أسفرت عنها نتائج مؤتمرات الصلح عامي 1899 و1907 والتي ركزت أساسا على الوسائل المسموح بها أثناء العمليات الحربية. والفئة الثالثة تتمثل في الجهود المستمرة لمنظمة الأمم المتحدة لتأمين احترام حقوق الإنسان في أوقات النزاعات المسلحة والحد من استخدام بعض الأسلحة ذات طابع الإبادة الجماعي.

وإذا ما تفحصنا الحقوق الموضوعية التي تضمنتها اتفاقيات جنيف الأربعة فسنصل إلى نتيجة أن هذه الحقوق هي تطبيق لحقوق الإنسان العامة في ظروف خاصة هي ظروف الحرب والاحتلال.

فالاتفاقية الأولى التي تتعلق أحكامها بتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان تهدف إلى حماية الحق في الحياة للفئات المحمية فضلا عن حقهم في سلامة الجسم ضد التعذيب والإهمال الصحي العمدي (م12).
وتسبغ الاتفاقية الثانية نفس الحماية على الجرحى والمرضى والغرقى في الحرب البحرية، أي أنها تحمى الحق في الحياة وفي سلامة الجسم للأشخاص المشمولين بحمايتها.

وتهدف الاتفاقية الثالثة إلى ضمان حد أدنى من المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب وهي في سبيل ذلك تقرر مجموعة من الحقوق للأسرى منذ بدء وقوعهم في الأسر مثل ضمانات الاستجواب ومصير متعلقاتهم الشخصية والإجلاء والنقل وظروف حياتهم في المعسكرات أو في حالة نقلهم من حيث أماكن الاعتقال وأساليبه والمأوى والغذاء والملبس والشروط الصحية والرعاية الطبية والحقوق والحريات الدينية والفكرية وعمل الأسرى ومواردهم المالية ومراسلاتهم ومواد الإغاثة التي ترد إليهم والعلاقة بين الأسرى والسلطات التي تعتقلهم هذا بالإضافة إلى كثير من الأحكام الهامة عن الأساليب المختلفة التي ينتهي بها الأسر والهيئات التي تعاون الأسرى وأحكام متنوعة أخرى. وواضح أن كثيرا من هذه الحقوق تعتبر تطبيقا للمبادئ العامة لحقوق الإنسان في حالة الأسرى فضلا عن بعض الحقوق الأخرى اللصيقة بحالة الأسر.


وتنظم الاتفاقية الرابعة حقوق المدنيين في وقت الحرب. وهذه الاتفاقية هي أقرب الاتفاقيات الأربعة من حيث موضوع الحماية المقررة فيها للقانون الدولي لحقوق الإنسان فهي اتفاقية تحمى حقوق الإنسان للسكان المدنيين في وقت الحرب والاحتلال. فتحظر هذه الاتفاقية الاعتداء على الحياة وعلى السلامة البدنية وتحظر التعذيب والتشويه والمعاملة القاسية وأخذ الرهائن والنفي والإبعاد والاعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة والمعاملة التمييزية على أساس العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو غير ذلك وتحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون حكم سابق تصدره محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا تراعى فيها ضمانات المحاكمة العادلة.

هناك إذن وحدة في الهدف بين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وبين اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وهو تأمين احترام مختلف حقوق الإنسان وحرياته وإن تميزت الاتفاقيات الأخيرة بأنها تعمل على تأمين هذه الحقوق في ظروف النزاعات المسلحة. ويبدو هذا التميز في ظروف الحماية في أن اتفاقيات جنيف شملت بحمايتها فئات لم تكن محل اهتمام القانون الدولي التقليدي لحقوق الإنسان كالجرحى والغرقى والمدنيين تحتل الاحتلال نظرا لطبيعة الظروف الاستثنائية التي تحيط بها.


فارق آخر بين حقوق الإنسان العامة المقررة في المواثيق الدولية وحقوق الإنسان الخاصة المقررة بمقتضى اتفاقات جنيف هو أن الحقوق الأولى يجوز بشروط معينة التحلل من بعضها في ظروف الطوارئ أو الحروب أو الكوارث، في حين أن الحقوق الثانية لا يجوز التحلل منها مطلقا لأنها ما شرعت إلا لتنظيم الحقوق وقت الحرب.

وبيان ذلك أن المادة الرابعة من كل العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية نصت على حق الدول في التحلل من التزاماتها بمقتضى العهد في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة. ولا شك أن حالة الحرب تدخل في عداد تلك الطوارئ العامة التي تجيز التحلل دون النص عليها صراحة لأن الحرب والنزاعات المسلحة من أقصى حالات الطوارئ التي يترتب عليها التهديد الذي عنته المادة.

 ومع ذلك فثمة حقوق لا يجوز التحلل منها حتى في حالة الطوارئ أو الحرب مثل الحق في الحياة والحق في سلامة الجسم من التعذيب وعدم رجعية القوانين الجنائية وتحريم الرق وغير ذلك.

ولكن هذه الرخصة التي تبيح التحلل من احترام المبادئ العامة لحقوق الإنسان بشروط وأوضاع معينة لا تنطبق على القانون الدولي الإنساني لأن هذا القانون يستهدف كما ذكرنا تأمين حقوق الإنسان في أقصى حالات الطوارئ وهي حالات الحرب والنزاعات المسلحة.


اللجنة الدولية للصليب الأحمر :


وهي اللجنة الدولية غير الحكومية المعنية بتطبيق واحترام ونشر الوعي بمبادئ القانون الدولي الإنساني. وقد نشأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر كمبادرة سويسرية خاصة عـام1863(8) ويتسع عملها الآن على مستوى العالم أجمع. ولها مندوبون في نحو 60 بلدا بينما تمتد أنشطتها لتشمل أكثر من 80 بلدا ويعمل معها قرابة 12000 موظف من مواطني البلدان التي تعمل بها. ويوفر نحو 800 شخص الدعم والمساندة اللازمين لعمليات اللجنة انطلاقا من مقرها في سويسرا(9).

ويتمثل الوضع القانوني للجنة الدولية للصليب الأحمر في كونها منظمة غير حكومية مستقلة محايدة وغير متحيزة أسندت إليها الدول مهمة حماية ومساعدة ضحايا النزاع المسلح من خلال اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 وهي الصكوك التي خلفت اتفاقية جنيف الأولى عام 1864.

ونتيجة للطبيعة الخاصة لمهمتها تتميز اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن المنظمات الحكومية كالأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية. وقد عقدت اللجنة مع غالبية الدول التي تعمل فيها اتفاقيات للمقر تتمتع بمقتضاها بالامتيازات والحصانات التي تمنح عـادة للمنظمات الحكومية الدولية وهي حصانات وامتيازات لا غنى عنها لكفالة استقلال المنظمة.

واللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست طرفا في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الملحقين بها فهذه معاهدات مفتوحة لتصديق الدول فحسب وتقع مسئولية تنفيذها على الدول الأطراف(10). ومع ذلك تلعب اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجانها الوطنية دورا بالغ الأهمية في العمل على احترام القانون الدولي الإنساني ووقف انتهاكاته والتوعية بأحكامه بين مختلف الفئات المعنية.

والعلاقة بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ وجودها عام 1863 والقانون الدولي الإنساني علاقة وثيقة. وينص النظام الأساسي لحركة الصليب والهلال الأحمر الدولية كما ينص النظام الأساسي للجنة الدولية على أن المهمة الأساسية التي تتبناها هي العمل على "تطبيق القانون الدولي الإنساني بأمانة"، ومساعدة الضحايا المدنيين والعسكريين في النزاعات المسلحة والاضطرابات الداخلية على أساس من الحياد وعدم التحيز.

وتعترف اتفاقيات جنيف بالمهام الملقاة على حركة الصليب الأحمر، من قبيل ذلك المادة 9/9/9/10 المشتركة والمادة 3 المشتركة والمادة 81 من البروتوكول الأول، والمادة 18 من البروتوكول الثاني. وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمهام المساعدة والحماية للأشخاص المشمولين بحماية القانون الدولي الإنساني عن طريق الاتصال الدائم بأطراف النزاع. وتعمل على لفت نظر السلطات المختصة عن حدوث أية انتهاكات كما تقوم بدور وقائي لتفادى وقوع الانتهاكات.

 وفي سبيل تحقيق مهامها تقوم اللجنة بزيارة أسرى الحرب والمحتجزين المدنيين والبحث عن المفقودين ونقل الرسائل وتوفير الغذاء والمياه والمساعدة الطبية للمدنيين المحرومين من هذه الضروريات الأساسية وغير ذلك من وسائل المراقبة والمساعدة والإغاثة. ويسمح النظام الأساسي للجنة بتلقي الشكاوى حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني. وتقوم اللجنة بالمساعي اللازمة لدى السلطات المعنية بشكل سرى. ويمكن لهذه المساعي أن تأخذ طابع العلنية بشروط معينة أهمها تكرار الانتهاك وعدم استجابة الدولة التي تمارس انتهاكاً بصورة متعمدة لمبادرتها.

وفي وقت السلم تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بخدمات استشارية تهدف إلى نشر الوعي بأحكام القانون الدولي الإنساني بين مختلف القطاعات وخاصة رجال القوات المسلحة، ويتم ذلك من خلال المنشورات المتخصصة والندوات العلمية والبرامج التعليمية والتدريبية والإعلامية وبرامج التعاون مع الجمعيات الوطنية للهلال الأحمر والصليب الأحمر وكافة المؤسسات والجهات المعنية.


الأزمة الراهنة للقانون الدولي الإنساني :


تتمثل الأزمة الراهنة للقانون الدولي الإنساني في تنامي التجاهل العمدي من الدول المتحاربة لأحكامه تحت ذرائع (قانونية) أو بدون ذرائع إطلاقا. ويتواكب مع ذلك الجهود الدولية التي تبذل من أجل تقويض دعائم النظام القضائي الوطني والدولي من أجل غل يده عن أن تطول المتهمين بارتكاب جرائم تنتهك القانون الدولي الإنساني.

ويأتي هذا التوجه نحو التحلل من الشرعية في سياق توجه عام نحو إجهاض القواعد التقليدية للقانون الدولي وإحلال منطق القوة محلها لتصبح القوة العارية من الشرعية هي العنصر الفاعل في العلاقات الدولية. وهكذا تحل سياسة الأمر الواقع والعصا الغليظة محل قواعد القانون الحاكمة لسلوك أعضاء الجماعة الدولية، أي أن قانون القوة يحل تدريجيا محل قوة القانون.

هناك تجليات تقليدية للتحلل من أحكام القانون الدولي الإنساني تحت ذرائع قانونية واهية. من ذلك إنكار إسرائيل وصف المناطق المحتلة على الضفة الغربية وغزة حتى تتوصل إلى عدم تطبيق اتفاقيات جنيف وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية السكان المدنيين في المناطق الواقعة تحت الاحتلال. وثمة حجج مشابهة تتذرع بها الولايات المتحدة الأمريكية لخلع صفة أسرى الحرب عن رجال المقاومة المقاتلين في أفغانستان والعراق لحرمانهم من حماية اتفاقيات جنيف، ولتمرير الفظائع التي ترتكب في حقهم في معسكرات الاعتقال وأشهرها معسكر جوانتانامو.

 وفي هذا السياق جاءت أحداث سجن أبو غريب وما شهده المحتجزون فيه من جرائم للتعذيب وامتهان لأبسط معاني كرامتهم الإنسانية. ويؤكد تقرير الصليب الأحمر الدولي (فبراير/شباط 2004) قيام الجنود الأمريكيين والبريطانيين بتعذيب المعتقلين في السجون العراقية وإلى أن جنود قوات الاحتلال يطبقون التعذيب بشكل منهجي(11).

ويتواكب كل هذا مع الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة لتقويض دعائم المحكمة الجنائية الدولية التي وقعت اتفاقيتها في روما عام 1998 لمحاكمة مجرمي الحرب والجرائم ضد الإنسانية ويدخل فيها بطبيعة الحال انتهاكات القانون الدولي الإنساني. ومن المعلوم أن المحكمة الجنائية الدولية قد أنشئت بموجب معاهدة روما في عام 1998، ودخلت حيز النفاذ بتصديق العدد المطلوب من الدول عليها.

 وقد منحت صلاحيات كاملة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أيا كانوا، ومن أية جنسية، وبأي موقع ومسئولية، ما دامت الأفعال التي ارتكبوها لاحقة على نفاذ الاتفاقية.

ورغم توقيع الولايات المتحدة على المعاهدة إلا أنها عادت و سحبت توقيعها على المعاهدة. وبرفضها المصادقة على الاتفاقية تكون الولايات المتحدة قد انضمت إلى كل من إسرائيل وروسيا والصين وباكستان والهند وسنغافورة، ضمن 127 دولة رافضة لاتفاقية روما(12).

 بل والأكثر من ذلك سعت الولايات المتحدة إلى حصولها على ضمانات دولية بأن يتمتع جنودها العاملون ضمن قوات حفظ السلام الدولية بحصانة تحول دون مثولهم المحتمل أمام المحكمة، وشرعت بابتزاز مجلس الأمن الدولي لفرض ما تطالب به، وهددت بإنهاء مهمة الأمم المتحدة في البوسنة.. وحيال رفض غالبية أعضاء مجلس الأمن الانصياع لها هددت باستخدام حق النقض (الفيتو) على القرار، إذا لم يمنح أفراد قوات حفظ السلام والمسؤولون الأميركيون حصانة المثول أمام المحكمة، ساعية إلى شل المحكمة قبل بدء عملها. وتحت ضغط الولايات المتحدة، وفي سابقة خطيرة في المجتمع الدولي، وبالرغم من عاصفة الاحتجاجات ضد الموقف الأميركي، وافق مجلس الأمن، في 12/ 7، على إعفاء الأميركيين لمدة عام من محاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهو اتفاق استهدف إنقاذ بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام من استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضدها وإحباط مهماتها. وجاء في القرار 1422 الذي تبناه أعضاء مجلس الأمن بالإجماع، أن أي عنصر من عمليات حفظ السلام, جندي أو غير ذلك, ينتمي إلى دولة لم توقع معاهدة روما التي تشكلت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية، لن يكون موضع ملاحقات أمام هذه المحكمة. وتنص الفقرة الثانية على أن الفترة المذكورة قابلة للتجديد من قبل مجلس الأمن.

وهو ما يعني أنه سيكون من الصعب جداً على المحكمة الجنائية الدولية أن تقاضي قوات حفظ السلام التابعة للولايات المتحدة وغيرها من الدول التي لم توقع على اتفاقية تأسيس المحكمة الدولية.

 ويقول مؤيدو المحكمة الجنائية الدولية إنه على الرغم من أن قرار مجلس الأمن هذا لن يكون له تأثير عملي يذكر على عمل المحكمة الدولية، فإنه يمثل سابقةً لتدخل مجلس الأمن في اتفاقية دولية مبرمة، لاسيما وأن السفير الأميركي جون نيجروبونتي هدد بأن الولايات المتحدة تعتبر أن قيام المحكمة الجنائية الدولية باعتقال أي مواطن أميركي سيكون "عملا غير شرعي له عواقب وخيمة".

 وشنت واشنطن حملة شرسة ضد المحكمة نفسها، بذريعة أن المحكمة "تنتهك سيادة الدول"، وقد "تؤدي" إلى محاكمات "ذات دوافع سياسية" للمسؤولين أو الجنود الأمريكان العاملين خارج الحدود الأميركية. ونجحت في استخدام سلاح التلويح بحجب المساعدات لحمل كثير من الدول على إبرام اتفاقيات معها تعطى حصانة للجنود الأمريكيين عما يرتكبونه من جرائم بالمخالفة لأحكام القانون الدولي الإنساني(13).

وفي نفس هذا السياق – سياق حجب القضاء الدولي عن ملاحقة مجرمي الحرب ومنتهكي القانون الدولي الإنساني - جاءت حملة الضغوط المكثفة التي مارستها الدوائر الإسرائيلية والأمريكية ودوائر حلف الناتو لحمل بلجيكا على إلغاء القانون الذي كان يعطى محاكمها الوطنية اختصاصا عالميا بنظر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أيا كان مرتكبوها أو مكان ارتكابها وسواء أكانت الجريمة متصلة ببلجيكا من عدمه.

وقد تصاعدت هذه الضغوط ووصلت إلى حد التهديد بنقل مقر حلف شمال الأطلنطي من بروكسل بعدما رفع عدد من ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا وأسرهم دعاوى ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون يطالبون بإدانته كمجرم حرب بسبب تورط القوات الإسرائيلية في هذه المذبحة أثناء عملية غزو لبنان سنة 1982 تحت إشرافه. وأذعنت بلجيكا لضغوط لا قبل لها بها وتم تعديل القانون ثم إلغاؤه وبهذا فقد ضحايا انتهاكات القانون الدولي الإنساني ساحة قضائية أخرى للدفاع عن مصالحهم.


2- مبادئ حقوق الإنسان واتفاقيات منظمة العمل الدولية : منظمة العمل الدولية وحماية حقوق الإنسان:


أنشئت منظمة العمل الدولية سنة 1919 باتفاقية فرساي. وهي أول وكالة متخصصة تحصل على هذه الصفة من الأمم المتحدة بالاتفاق مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي. والشاغل الأساسي للمنظمة هو تحقيق العدل الاجتماعي وتطوير وحماية حقوق الإنسان المرتبطة بتحقيق هذا الهدف. وتعمل المنظمة بالتعاون بين أطراف ثلاثة هي الحكومات والعمال وأصحاب الأعمال. وقد أمكن للمنظمة خلال حياتها أن ترعى إصدار أكثر من 150 اتفاقية في مجال عملها هي الآن في حيز النفاذ(14). وتعتبر مبادئ حقوق الإنسان مكونا أساسيا للخلفية المرجعية التي تحكم نشاط وعمل منظمة العمل الدولية ILO .

 فوفقا لما تضمنه إعلان فيلادلفيا اشتملت أهداف المنظمة على تبنى ودعم كل السياسات والتدابير الدولية والوطنية التي تستند إلى مبدأ أن كل البشر لهم الحق بصرف النظر عن الجنس أو العقيدة أو العرق في النهوض بمستوى معيشتهم المادية أو متطلباتهم الروحية في مناخ من الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي والفرصة المتكافئة.

وتشير النصوص التفصيلية لإعلان فيلادلفيا إلى أمور من قبيل احترام حرية التعبير والاجتماع وحق العمل والارتفاع بمستويات المعيشة والأجور وظروف العمل وتدابير التأمين الاجتماعي وحماية حياة العمال وصحتهم وهذه كلها تدخل في عداد الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يجعل من منظمة العمل الدولية منظمة معنية بجانب هام من جوانب حقوق الإنسان بمناسبة وجود علاقات العمل.

وعلى سبيل المثال تقرر المادة الثالثة من إعلان فيلادلفيا التزام منظمة العمل الدولية بأن تحقق بين مختلف أمم العالم هدف التشغيل الكامل ورفع مستوى المعيشة، وتشغيل العمال في الأعمال التي تحقق لهم الرضاء الذاتي بما يمكنهم من الإسهام بأقصى قدراتهم في الصالح العام، وبرسم السياسات الخاصة بالأجور والمكافآت، وبساعات وظروف العمل، وبالحد الأدنى للأجر، وبالاعتراف بالحق في التفاوض الجماعي وبالتعاون بين الإدارة والعمل من أجل التطوير المستمر للكفاءة الإنتاجية، وبالتعاون بين العمال وأصحاب الأعمال في صياغة وتطبيق التدابير التي من شأنها أن تمتد بالتأمين الاجتماعي بحيث يوفر الدخل الأساسي لكل من يحتاجون الحماية كما يوفر الرعاية الصحية الشاملة، وبتقديم الحماية المناسبة لحياة العمال في موقع العمل وصحتهم، وتوفير رعاية وحماية الطفولة والأمومة، وتوفير التغذية المناسبة والإسكان ووسائل الترفيه والثقافة للعمال، وتأمين المساواة في فرص التعليم والتدريب.

كل هذه الأهداف تناولها بشكل أو آخر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ثم كفلت لها التنظيم بشكل تفصيلي عديد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

وتعمل منظمة العمل الدولية على تحقيق هذه الأهداف من خلال تبنى عدد من المعايير الدولية للعمل وصياغتها في شكل اتفاقيات وتوصيات(15). وأغلب اتفاقات وتوصيات منظمة العمل الدولية تعنى بحماية وتطوير حقوق الإنسان بشكل أو آخر ما دامت تتعرض لمسائل مثل تأمين بيئة العمل وحماية الأطفال وصغار السن وتنظيم ساعات العمل وغير ذلك من ظروف العمل السابق الإشارة إليها، فضلا عن مختلف جوانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق المدنية والسياسية. إلا أن عددا من مواثيق منظمة العمل الدولية تتعامل بشكل أكثر تحديدا مع حقوق وحريات أساسية معينة مثل حرية الاجتماع والتحرر من السخرة والمساواة في الفرص والمعاملة أثناء العمل.

وما تتميز به منظمة العمل الدولية في مجال حقوق الإنسان هو توافر آليات للحماية الفعالة للحقوق المنصوص عليها في اتفاقيات وتوصيات المنظمة، أثبتت كفاءتها وفعاليتها في تأمين حقوق الإنسان للعمال. ويمكن تقسيم مناهج وإجراءات حماية حقوق الإنسان في منظمة العمل الدولية إلى فئتين رئيسيتين.

الفئة الأولى تتعلق بالإشراف الروتيني الدائم على تطبيق مواثيق المنظمة من أجل الحصول على أدق المعلومات حول وفاء الدول بالتزاماتها في التطبيق، وعلى الانتهاكات التي تقع على الاتفاقيات الموقع عليها. وتحت هذه الطائفة يندرج التزام الحكومات بتقديم تقارير عن وفائها بالالتزامات الواردة بالاتفاقيات والتوصيات. فوفقا للمادة 22 من دستور المنظمة تلتزم كل دولة عضو بأن تقدم تقريرا عن التدابير التي اتخذتها لتفعيل نصوص الاتفاقيات التي دخلت كطرف فيها. ويجرى فحص هذه التقارير بواسطة خبراء مستقلين.

وتعد التقارير الحكومية في الإطار الشكلي الذي يحدده مجلس إدارة المنظمة لكل اتفاقية وتلتزم الدول بتقديم نسخ من تقاريرها إلى منظمات أرباب الأعمال والعمال في بلدها. ولهذه المنظمات أن تبدى ملاحظاتها المتعلقة بمدى وفاء الحكومة بالتزاماتها طبقا للاتفاقية.

وفي كل دورة من دورات مؤتمر العمل الدولي تشكل لجنة خاصة من ممثلي الحكومات وأرباب الأعمال والعمال للنظر في مسألة وفاء الحكومات بالتزامها بتطبيق الاتفاقيات.

ومن حق منظمات العمال وأصحاب الأعمال أن تبلغ مكتب العمل الدولي وأن تتقدم بدعاوى عن عدم وفاء دولة عضو بالتزاماتها بمقتضى اتفاقية هي طرف فيها. وتعرض الدعاوى على مجلس إدارة المنظمة. وتفحصها لجنة مشكلة من ممثلي الحكومات وأرباب الأعمال والعمال ويمكن إحاطة الدولة المعنية علما بالدعوى للرد عليها. فإن لم تقم الدولة بالرد أو كان ردها غير مقنع يجوز للمجلس نشر الدعوى مرفقة بالرد إن وجد.

كما أن المادة 26 قد نصت على حق الدولة العضو في تقديم بلاغ ضد دولة عضو أخرى لعدم وفائها بالتزاماتها ونصت على إجراءات لتحقيق الشكاوى. ولمجلس إدارة المنظمة أن يبادر برفع شكوى مباشرة أو بناء على طلب أحد المندوبين. ويحدد المجلس لجنة لتحقيق ودراسة الشكوى وتقديم تقرير بشأنها. وبعد أن يستعرض التقرير الوقائع قد يقترح ما يراه مناسبا لرفع أسباب الشكوى. وعلى الحكومات المعنية أن تخطر المدير العام لمكتب العمل الدولي خلال ثلاثة شهور بقبولها توصيات لجنة التحقيق وإلا أحالتها إلى محكمة العدل الدولية. ويترتب على إخلال الدولة بتوصيات لجنة التحقيق أو بحكم محكمة العدل الدولية تعرضها للتدابير التي يقررها المؤتمر بناء على اقتراح مجلس الإدارة.

وتقوم المنظمة أيضا بالفصل في الشكاوى المقدمة من الحكومات أو أرباب الأعمال أو العمال في مجال الحريات النقابية. وتعرض هذه الشكاوى على لجنة الحريات النقابية المنبثقة عن مجلس إدارة المنظمة والتي تتألف بدورها من ممثلي الحكومات والعمال وأصحاب الأعمال. ويمكن أن تحال الشكوى، إذا وافقت الحكومة المعنية، إلى لجنة تقصى الحقائق والتحقيق في الحريات النقابية المشكلة من أعضاء مستقلين. ويمكن التقدم بشكاوى متعلقة بالحريات النقابية ضد أي دولة حتى ولو لم تصدق على اتفاقية الحريات النقابية(16).


منظمة العمل الدولية وتحديات عصر العولمة:


في ضوء ما تفرضه ثورة الاتصالات والمعلوماتية فيعصر العولمة من تحديات غير مسبوقة تحرص منظمة العمل الدولية على رصد المشاكل التي تفرضها هذه التحديات على الدول النامية وخاصة مشكلة البطالة واتساع الفجوة الرقمية بين الدول الغنية والدول الفقيرة من ناحية وما تمثله الثورة الرقمية من إمكانيات لتجاوز هوة التخلف من ناحية ثانية. وقد أصدرت منظمة العمل الدولية تقريرا بالغ الأهمية حول هذه القضايا بعنوان "حول الاستخدام في العالم سنة 2001 : الحياة في العمل ضمن اقتصاد المعلوماتية"(17).

وقد لاحظ التقرير انه "رغم ثورة الاتصالات التي تجتاح العالم اليوم إلا أن المزيد من العمال غير قادرين على الحصول على فرصة عمل أو الوصول إلى مصادر التقنيات الحديثة التي هي ضمان الإنتاجية في اقتصاد عالمي رقمي". وقد رصد التقرير عددا من النتائج حول تأثير ثورة الاتصالات على اقتصاديات التشغيل في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة كما يلي:

• مع بدء العام 2001 سيعاني ما يقدر بثلث اليد العاملة في العالم التي تبلغ ثلاثة مليارات عامل من البطالة والاستخدام الجزئي ومن بينهم حوالي 160 مليوناً يعانون من البطالة الصريحة. ورغم المؤشرات القوية لتحسن الاقتصاد في معظم الدول الآسيوية.

• على الاقتصاد الدولي أن يضمن السرعة في التوسع لكي يخلق 500 مليون وظيفة جديدة خلال القرن القادم لدمج الداخلين الجدد لقوى العمل والتقليل من نسبة العاطلين حاليا.

• وفي مختلف مناطق العالم كان التحول الهام في الاستخدام هو في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الدول الصناعية المتقدمة)، حيث انخفضت نسبة البطالة الكاملة بشكل كبير وحتى حالات البطالة الطويلة الأمد شهدت انخفاضاً من 35% إلى ما يقرب من 31%.

• رغم التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول الصناعية وتغلغلها المتزايد في الدول النامية، إلا أن جزءاً كبيراً من العالم لا يزال غير مرتبط بهذه التقنيات وبذلك غير مستفيد من منافعها التي تخلق ثورة في الحياة، والعمل والاتصالات في هذا الزمن الرقمي.

• رغم قدرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على تحسين أوضاع المرأة. إلا أن التقرير قد وجد أن ثمة هوة رقمية داخل البلدان، حيث إنه كثيرا ما تجد النساء أنفسهن قائمات على أقل الوظائف أهمية في هذا المجال فيما يرتفع الرجال إلى الوظائف الأكثر مردودا ماليا وأكثر مسئولية. من هذه الاستخلاصات الأربعة ينبه التقرير إلى تأثير اتساع الفجوة الرقمية بين الدول الغنية والدول الفقيرة على زيادة معدلات البطالة في الأولى ويوضح أيضا الفرص التي تمثلها الثورة الرقمية لتجاوز هوة التخلف وتحقيق التشغيل الكامل، أي أنه يوضح المخاطر ويبين الإمكانات والفرص.

وعن الهوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول النامية يسوق التقرير عددا من الأمثلة والشواهد. منها أن ما يقرب من 90% من مستخدمي شبكة الإنترنت هم من الدول الصناعية، حيث إن الولايات المتحدة وكندا يشكلان ما نسبته 57% من المجموع الكلي. وفي المقابل فإن مستخدمي شبكة الإنترنت في أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعين يشكلون 1% من الإجمالي الكلي لمستخدمي الإنترنت في العالم. ويوضح أنّ مجمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العالم تقريباً هي من إنتاج 15 بالمئة من سكّانه (والذين يعيشون بأكثريّتهم في البلدان الصناعية)، ووحدهم نصف سكان العالم تقريباً يحصلون على الكهرباء وخطوط الهاتف والبنى التحتية الأخرى الضرورية التي تمكّنهم من التكيّف مع هذه التكنولوجيات الجديدة على مستوى الإنتاج والاستهلاك. وعليه، فإنّ معظم سكّان العالم يعانون الحرمان، وثلثهم على الأقلّ منعزلون تكنولوجياً.

 ويشير التقرير إلى أنّ الهوّة الرقميّة قائمة ليس فقط بين المجتمعات وبعضها البعض بل وفي داخل المجتمع الواحد أيضاً. ويضيف أنّ جميع الأدلّة المتوفّرة تؤكّد أنّ استعمال الإنترنت يُقسَّم إلى طبقات، وهو أكثر شيوعاً في صفوف الشباب منه بين الأكبر سناً، وبين سكّان المدن منه بين سكّان الأرياف، وفي صفوف الأشخاص الذين يتمتّعون بمستوياتٍ أعلى من التعليم والدخل. ويمتد التمييز الاجتماعي الذي تحدثه ثورة المعلومات إلى تعميق هوة التمييز بين الرجال والنساء. فيشير التقرير إلى التمكن من تكنولوجيا المعلومات لدى الرجال على مستوى العالم أعلى منه لدى النساء. وبالتالى فإنّ "أنماط التمييز بين الرجل والمرأة تنتقل إلى اقتصاد المعلومات حيث يستحوذ الرجل على أكثرية الوظائف التي تحتاج إلى مهارات متقدّمة وذات قيمة مضافة عالية بينما تتركّز المرأة في الوظائف التي تتطلّب مهاراتٍ متدنية وقيمة مضافة منخفضة". وعليه، فإنّ الرجل يتواجد أكثر من المرأة في الوظائف ذات الأجور المرتفعة والإبداعية في مجال تطوير البرامج المعلوماتية.

وينعكس التخلف المعلوماتي الرقمي للدول الفقيرة على تزايد معدلات البطالة فيها. فيشير التقرير إلى أنّه بينما يجد مزيد من العمال وظائف في الولايات المتحدة الأميركية والبلدان الصناعية الأخرى، ازدادت البطالة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، كما أنّها لا تزال مرتفعةً في كلّ من أوروبا الوسطى والشرقية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي مدن أفريقيا جنوب الصحراء.

وعلى سبيل المثال، تمّ تقدير معدّل البطالة في نهاية التسعينيات بـ 29 بالمئة في الجزائر، و9 بالمئة في لبنان، و22 بالمئة في المغرب، و8 بالمئة في مصر، أما في الاقتصاديات الانتقالية في أوروبا الوسطى والشرقية، فإنّ معدّل البطالة الصريحة يُقدَّر بأكثر من 14 بالمئة، وتشكّل بطالة الشباب مشكلةً أكبر إذ تطال حوالي 30 بالمئة منهم، أي ضعف المعدّل نفسه لأوروبا الغربية.

إن التغيّرات في كيفية عمل الاقتصاد تؤثر بلا شك على عالم العمل إذ أنّ خلق الوظائف وفقدانها، ومحتوى العمل ونوعيّته، وموقع العمل، وطبيعة عقد الاستخدام، والمهارات المطلوبة وبأيّ تواتر يمكن الحصول عليها، وتنظيم العمل وأداء وفعالية منظمات العمال وأصحاب العمل، جميع هذه العوامل تتأثّر بحقبة العولمة الرقمية التي بدأت ترى النور. فالعمّال الذين يملكون المعرفة، أي الذين يبتكرون الأفكار وينقلونها إلكترونياً على شكل منتجاتٍ غير ملموسة أو غير ماديّة يتمتّعون بميزةٍ خاصّةٍ في الاقتصاد المعتمِد على الشبكات المعلوماتية. وعبر الإنترنت أو أيّة تكنولوجيا أخرى تتعلق بالشبكات المعلوماتية، يمكنهم النفاذ في أيّ وقتٍ إلى كمياتٍ غير محدّدة من المعلومات التي تشكّل المواد الأولية لخلق المعرفة.

ويشير التقرير إلى أنّه يتعيّن على جميع البلدان أن تواجه المخاطر والفرص التي ترافق ثورة الاتصالات، فأيّ موقفٍ سلبيّ سيؤدى إلى التهميش. ويحذر التقرير من أن حتى لو أصبح النفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال أكثر سهولة واتساعا إلا أنه لا يمكن جني الكثير من الثورة الرقمية دون مستوى كافٍ من التعليم . . ويذكر التقرير بأن "سياسة الاستثمار في التعليم الأساسي والتعليم العالي هي الأداة الأهم المتوفرة للحكومات للاستفادة من فوائد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات." "ولم تستطع أي دولة نامية أن تدخل وبنجاح الأسواق العالمية لأي من منتوجاتها دون الاعتماد على قوى عاملة متعلمة.

 فالتعليم والنمو الاقتصادي يكملان بعضهما البعض والاستثمار في التعليم من شأنه أن يحقق النمو الاقتصادي. ويبدو هذا الربط أكثر وضوحا في الاقتصاديات الجديدة المعتمدة على المعلومات والتي تشكل المعلومات فيها العامل الرئيسي للثروة وليس الدخول المادية أو الثروات الطبيعية." وبإمكان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كما يؤكد التقرير أن تؤثر وبشكل كبير على نوعية حياة العمال في الدول الفقيرة إذا ما توفرت السياسات والمؤسسات الصحيحة التي تشكل عاملاً أساسياً في التنمية ونمو الوظائف.

 ففي بعض الحالات تساهم سرعة انتقال رأس المال المرتبط بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وطبيعتها التي تعتمد على المعرفة، في قدرة الدول الأقل دخلا في القفز على بعض المراحل التي يمر بها أي نمو اقتصادي تقليدي وذلك عبر الاستثمار في القدرات البشرية. ولكي يتحقق هذا هناك ثلاثة متطلبات رئيسية: سياسة وطنية متناسقة تجاه تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وتوفر بنية اتصالات معقولة، وتوفر قوى عاملة متعلمة.

ويختم تقرير منظمة العمل الدولية بأنّ ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تقدّم إمكانيةً حقيقيةً ومخاطر واقعية.وعلى الدول النامية أن تدرك المخاطر لتلافي آثارها وأن تتعرف على الإمكانات من أجل الاستفادة القصوى منها.


3- حقوق الإنسان والحماية الدولية لللاجئ


أصبحت الحماية القانونية لللاجئ تمثل شاغلا هاما من شواغل المجتمع الدولي المعاصر بسبب الفظائع والأهوال وصور الاضطهاد التي تسود في مناطق متفرقة من العالم وتجبر أشخاصا أو جماعات على مغادرة موطنهم الأصلي والهرب إلى مكان آخر يطلبون فيه الحماية القانونية والمادية أي يطلبون فيه اللجوء.

ويعرف فقهاء القانون الدولي اللاجئ بأنه "أجنبي خرج أو أُخرج من دولته الأصلية ولا يرغب أو لا يستطيع العودة إلى هذه الدولة بسبب تمزق أو انفصام العلاقة العادية التي تربطه بها إما بسبب الاضطهاد السياسي والتهديد به وإما لاتهامه بإحدى الجرائم السياسية وإما لرغبته في عدم الخضوع لحكومة جديدة يعتقد أنها ظالمة أو غير شرعية" كما يعرفون الملجأ بأنه "حماية قانونية ذات طابع مؤقت تمنحها دولة تسمى دولة الملجأ ...لأجنبي تتوافر فيه صفة اللاجئ في مواجهة أعمال دولة أخرى تسمى الدولة الأصلية أو دولة الاضطهاد "(18).

واللجوء في حد ذاته بما يرتبط به من حقوق وضمانات قانونية هو نظام إجرائي وموضوعي يهدف إلى معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الواقعية أو المحتملة التي يتعرض أو سيتعرض لها طالب اللجوء. وقد كشفت الفظائع التي ارتكبت في الحقبة الزمنية المحيطة بالحرب العالمية الثانية عن الارتباط الوثيق بين ظاهرة اللجوء وتنامي أعداد طالبي اللجوء وبين انتهاكات حقوق الإنسان. فالاعتداء على حقوق الإنسان هو السبب المباشر لطلب اللجوء والحصول على اللجوء يهدف إلى حماية حقوق الإنسان لشخص اللاجئ. ولذلك يرصد الباحثون بحق "ارتباط" تطور القواعد المتعلقة بحق الملجأ بالتطور الذي شهده القانون الدولي العام منذ أوائل هذا القرن في مجال حماية حقوق الإنسان"(19).

وقد تعددت الوثائق الدولية التي تنظم حقوق اللاجئين ومركزهم القانوني على المستويين الدولي والإقليمي. فصدرت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن مركز اللاجئين لسنة 1951 والبروتوكول الملحق بها سنة1977، وإعلان الأمم المتحدة بخصوص الملجأ الإقليمي سنة 1967، واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية بشأن الجوانب الذاتية لمشكلة اللاجئين في أفريقيا سنة 1969، والإعلان الأوروبي للملجأ الإقليمي سنة 1977 وغيرها.

وبالتوازي مع ذلك ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق اللاجئ في الحماية باعتباره حقا من حقوق الإنسان .. فقد نصت المادة 14 من الإعلان على أن " لكل فرد الحق في طلب الملجأ والتمتع به في بلاد أخرى هربا من الاضطهاد"(20).

وتوضح اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951 حقوق اللاجئين بالتفصيل وهي في مجملها تطبيق للحقوق العامة للإنسان الواردة في المواثيق الدولية على اللاجئين. فتعرف اللاجئ بأنه من يوجد خارج بلدة منشئه ولديه خوف له ما يبرره للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية أو لا يستطيع ولا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد أو أن يعود إلى هناك خوفا من الاضطهاد.

 وتقرر المادة الثالثة للاتفاقية للاجئ الحق في عدم التمييز، وله حرية الدين (م4) وحق التقاضي الحر أمام المحاكم في جميع الدول أطراف الاتفاقية (م16) والحق في ممارسة العمل (م17) والحق في السكن (م21) والحق في التعليم (22) والحق في الحصول على الإغاثة والمساعدة المهمة (م33) وحق التنقل الحر (م26) والحق في عدم الطرد ما لم يشكل تهديدا للأمن أو النظام العام (م32) هذا فضلا عن تمتع اللاجئ بالحقوق الأخرى المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقيات الأخرى التي قد تكون دولة الملجأ طرفا فيها.

وتقع المسئولية عن حماية اللاجئ على دولة الملجأ الطرف في اتفاقية حماية اللاجئين وفقا للشروط والأوضاع المبينة في الاتفاقية دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو بلد المنشأ.

وتوجد بين أجهزة الأمم المتحدة مفوضية شؤون اللاجئين وهي وكالة إنسانية ليست لها صفة سياسية أنشئت سنة 1951 بهدف توفير الحماية الدولية للاجئين وتعزيز إمكانية إيجاد حلول دائمة لمشكلاتهم بالتعاون مع الحكومات والمنظمات المعنية(21).



ثالثا : النظم القانونية العربية والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان


التزمت الدول العربية بعدد من أهم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فقد صدقت بعض الدول العربية ووقعت على أهم وثيقتين دوليتين لحقوق الإنسان وهما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يصدق على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الأول إلا عدد قليل من الدول العربية.

كما صدقت العديد من الدول العربية على اتفاقية مناهضة التعذيب. أما اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة فقد وقعتها كل الدول العربية ما عدا سبع دول ما زالت عازفة عنها. وفيما عدا الأردن أحجمت كافة الدول العربية عن التصديق على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية رغم أن تسع دول قد وقعت عليها.

 ولم تول كثير من الدول العربية الاهتمام المطلوب الذي يوليه المجتمع الدولي لاتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالعمل النقابي.

ونصت جميع الدساتير العربية على حماية الحريات العامة وحقوق الإنسان. وتضمنت الدساتير العربية إشارات إلى مبدأ المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة، وإلى حماية وتأمين الحقوق والحريات الأساسية وإن اختلف مضمون الحقوق ونطاق الحرية والحماية وفقا للتراث الثقافي لكل دولة، ومدى حظ الدولة من الأخذ بمبادئ الديموقراطية والحريات المدنية والسياسية، وموقع الفكـر الشمولـي دينيا كان أو دنيويا من التأثير على نظام الحكم بالدولة.

وتولى الدساتير العربية الأولوية للحقوق والحريات في دساتيرها،وثمة دساتير عربية أعلنت عن التزامها صراحة بالحقوق الواردة في المواثيق والصكوك الدولية.

وقد تضمنت دساتير تونس (م 8)، والجزائر (م 30)، والمغرب (ف 9)، والسودان (ف 1)، والأردن (م 15)، والكويت (م 36)، واليمن (م 26)، وموريتانيا (م 10)، والإمارات (م30)، ومصر (م 47)، والبحرين (م 23)، ولبنان (م 13) أحكاما خاصة بحرية الفكر والرأي والمعتقد، تراوحت في صياغتها.

كما تضمنت دساتير البلدان العربية أحكاما خاصة بحرية الاجتماع السلمي و تكوين الجمعيات والانضمام إليها.
وتعترف دساتير 14 بلداً عربياً بحق تكوين الأحزاب السياسية بينما تتجاهلها أو تنكرها تماما دساتير أخرى.

 لقد حدث نوع من التطور نحو إقرار التعددية الحزبية في دساتير بعض الدول التي أخذت، لعقود طويلة، بنظام الحزب الواحد. على أنه يؤخذ على هذه الدساتير أن آثار قيود مرحلة الحزب الواحد ما زالت عالقة بها.

وتنص جميع الدساتير العربية على مبادئ حيدة القضاء واستقلاله. فقد أجمعت على استقلال القضاء وحرمته، وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، بل أسهب بعضها في إبراز مكانة القضاء وأهمية استقلاله، وحقوق المتقاضين، كما هو حال الدستورالمصري، الذي أفرد لهذا الموضوع بابا رابعا مكونا من تسع مواد (م 64- 72). كما أدخل البعض الآخر تعديلات جوهرية في قوانينه لتغدو ملائمة لشروط تحقق المحاكمة العادلة، كما حددتها المعايير الدولية المتضمنة في صكوك الاتفاقيات والمواثيق.

غير أن الدساتير العربية وإن تضمنت أحكاما مهمة أقرت بمقتضاها مبدأ استقلال القضاة، فقد حافظت على حضور السلطة التنفيذية وتأثيرها على السلطة القضائية. فعلاوة على أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم رؤساء الدول (بمختلف تسمياتهم وألقابهم) وهذا أمر لا اعتراض عليه إن اقتصر على حدود الرمز، إلا أن بعض الدساتير أوكلت لهم حق ترأس الهيئات الدستورية المشرفة على القضاء، كما هو الشأن على سبيل المثال في المغرب حيث نص الفصل السادس والثمانون من الدستور (1996) على أن "يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء..."، أما المادة الثالثة والسبعون بعد المائة من دستور مصر فقد قضت بأن يترأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للهيئات القضائية.

وثمة مظاهر أخرى من اختلال العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية لعل أبرزها هيمنة وزارات العدل العربية على شئون توظف القضاة وترقيتهم وتأديبهم والتفتيش عليهم والتحكم في ميزانية القضاء فضلا عن استشراء صور القضاء الاستثنائي في العالم العربي.

وتنص بعض الدساتير العربية على الحق في الجنسية بينما تغفل الدساتير الأخرى مثل هذا النص. وتحيل الدساتير أمور تنظيم الجنسية إلى القانون كما هو الأمر بالنسبة لمصـر (م6)، ولبـنان (م6)، والأردن (م5)، والسعودية (م35)، والجزائر (م30). أما بعض الدساتير، فإضافة إلى إسنادها تنظيم حق الجنسية إلى القانون فقد تعرضت إلى موضوع إسقاطها والشروط اللازمة لذلك، مثلما هو وارد في دساتير قطر (م4)، عمان (م15)، الإمارات (م8)، الكويـت (م27).

وتتفاوت الدساتير العربية في النص على الحريات الشخصية وفي مدى الحريات التي تعترف بها، ويجمعها أنها تحيل في تنظيم الحريات إلى القوانين التي ما تقوم غالبا بتقييدها.

وقد أنزلت الدساتير العربية الأسرة مكانة مميزة حين اعتبرتها أساس المجتمع، وشددت على واجب المحافظة عليها وصونها من التفكك والانحلال، وتوفير شروط استمرارها وانسجامها مع النظام العام ومنظومة القيم الحضارية والأخلاقية.

على أن عددا من الدساتير العربية تتضمن نصوصا تفتح الباب أمام انتهاكات حقوق الإنسان بصياغات تصادر الحقوق والحريات العامة أو تسمح بمصادرتها. من قبيل ذلك ما درجت عليه الدساتير العربية من الإحالة إلى التشريع العادي لتنظيم الحقوق والحريات ، ثم يأتي التشريع تحت ستار تنظيم الحق والحرية ليقيدهما بقيود تتنافى مع المواثيق الدولية أو يصادرها كلية.

والأمثلة على ذلك كثيرة في القوانين المنظمة لحرية الرأي والتعبير وحق تكوين الجمعيات والحريات الصحفية والحق في المشاركة السياسية وحق تشكيل الأحزاب السياسية والحق في المحاكمة العادلة وضمانات وحقوق المتهمين ومبدأ الشرعية الجنائية وغيرها.

وزاد من تفاقم هذه الظاهرة ذات الجذور التاريخية (أي ظاهرة الانتهاك التشريعي لحقوق الإنسان) تذرع كثير من الدول بضرورات محاربة الإرهاب لكي تصدر تشريعات تنتهك ضمانات حقوق الإنسان. ويأتي هذا التوجه التشريعي المناهض لحقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب في ظل دعم دولي بعد أحداث 11 سبتمبر متمثلا في عدد من القرارات التي صدرت من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة تدعو الدول إلى اتخاذ كافة التدابير ومنها التدابير التشريعية بطبيعة الحال لمكافحة الإرهاب وملاحقة ومعاقبة مرتكبيه، ولم تكن الدول العربية تنقصها مثل هذه الدعوة(22).

وقد أصدرت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ولجنة القضاء على التمييز العنصري عديدا من القرارات ووجهت عديدا من البيانات طالبت فيها الدول أن تكون إجراءاتها وتشريعاتها لمكافحة الإرهاب متسقة مع ميثاق الأمم المتحدة ومع التزاماتها الدولية بضرورة احترام حقوق الإنسان.


موضع القانون الدولي لحقوق الإنسان في التشريع الوطني:


1- التدرج القانوني :

ينقسم تعامل الدساتير العربية مع الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بالمرتبة التي تحتلها الاتفاقية في سلم التدرج القانوني إلى مناهج ثلاثة :


المنهج الأول


يجعل للاتفاقية الدولية مكانة تسمو على الدستور ذاته. من قبيل ذلك النظام الأساسي السعودي ودستور دولة الإمارات. فتنص المادة 81 من النظام الأساسي السعودي على أنه "لا يخل تطبيق هذا النظام بما ارتبطت به المملكة العربية السعودية مع الدول والهيئات والمنظمات الدولية من معاهدات واتفاقيات".

 وهذا يعنى أنه إذا تعارض النص الدستوري أو النظامي مع معاهدة دولية ارتبطت بها السعودية فالأولوية في التطبيق لنص المعاهدة. وقد نصت المادة 147 من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة على حكم مشابه بقولها إنه: ... لا يخل تطبيق هذا الدستور بما ارتبطت به الإمارات أعضاء الاتحاد مع الدول والهيئات الدولية من معاهدات واتفاقيات مالم يجر تعديلها أو إلغائها بالاتفاق بين الأطراف المعنية".


المنهج الثاني


وهو الذي اتبعه الدستور التونسي والدستور الجزائري حيث يجعلان للمعاهدة التي ارتبطت بها الدولة قوة أدنى من الدستور وأعلى من التشريع العادي. وعلى هذا نصت المادة 32 من الدستور التونسي بقولها ".. لا تعد المعاهدات نافذة المفعول إلا بعد المصادقة عليها، والمعاهدات المصادق عليها بصفة قانونية أقوى نفاذا من القوانين" كما نصت المادة 132 من الدستور الجزائري على أن "المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في هذا الدستور تسمو على القانون". أي أنه إذا تعارض نص تشريعي عادى مع معاهدة دولية في تونس أو الجزائر جرى تطبيق المعاهدة وإهدار التشريع.

وهذا يكفل للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي ارتبطت بها تونس أولوية في التطبيق على التشريع الذي قد ينتهك هذه الحقوق. على أن تأمين احترام حقوق الإنسان رهن أيضا بسلطة قضائية مستقلة تستطيع أن تتحدى إرادة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية إن هما افتئتا على حقوق الإنسان، وهذا أمر مشكوك في وجوده في كثير من البلدان العربية.


المنهج الثالث


وهو الذي تتبعه أغلب الدساتير العربية حيث تضع المعاهدة الدولية في مرتبة مساوية للتشريع بعد التصديق عليها. ويعنى هذا أن المعاهدة تكون لها قوة التشريع وواجبة التطبيق بمجرد التصديق عليها. على أنه إذا صدر بعد التصديق على المعاهدة تشريع يخالف أحكامها فتطبق القاعدة التشريعية اللاحقة عملا بمبدأ أن التشريع اللاحق ينسخ التشريع السابق. ولا نعرف مثالا واحدا قضت فيه المحاكم العربية بتطبيق معاهدة أو اتفاقية لحقوق الإنسان تطبيقا مباشرا سواء لسموها على التشريع أو لأنها تعتبر من التشريع النافذ في الدولة سوى الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة المصرية في 16/4/1987 الذي قضى ببراءة عمال السكك الحديدية من تهمة الإضراب التي يعاقب عليها قانون العقوبات المصري لأن فعل الإضراب مباح بمقتضى المادة 8 د من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تبيح الإضراب. وانتهت المحكمة إلى أن العهد الدولي قد تحول إلى تشريع مصري في 4 إبريل سنة 1982 وهو تاريخ نشره في الجريدة الرسمية بعد التصديق عليه في 8 ديسمبر 1982 وذلك عملا بالمادة 151 من الدستور، وأن نص المادة 8د من العهد الدولي قد نسخ نص المادة 124 من قانون العقوبات وهو نص سابق على تصديق مصر على العهد الدولي وصيرورته قانونا مصريا(23).


وخلاف ذلك لا نعرف سابقة قضائية عربية حول التطبيق المباشر للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان رغم أن كثيرا من الدساتير العربية تسمح بذلك.

وقد يرجع إحجام القضاء العربي عن التطبيق المباشر لاتفاقيات حقوق الإنسان رغم كونها واجبة التطبيق إلى غيبة الثقافة القانونية التي تعى أن الاتفاقية أو المعاهدة هي جزء من التشريع الداخلي أو تسمو على التشريع في بعض النظم. فالقضاة ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مجرد مطبقين للتشريعات التي تصدر من مشرعهم الوطني مباشرة. ويعزو بعض الباحثين إلى السلطة التنفيذية العربية تكريس هذه الثقافة بل والالتفاف على الاتفاقية الدولية التي ترتبط بها الدولة عن طريق الامتناع عن نشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية أو تأخير النشر أو نشر الأمر القاضي بالتصديق على الاتفاقية دون نشر نص الاتفاقية ذاته أو نشر نص مخالف للنص الرسمي للاتفاقية إلى غير ذلك من وسائل التحايل والالتفاف التي تحول دون نفاذ الاتفاقية(24).

وثمة نظم قانونية عربية أخرى تبدو فيها العلاقة بين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتشريعات الوطنية علاقة ملتبسة غير واضحة.

من قبيل ذلك النظام القانوني الليبي. حيث يخلو الكتاب الأخضر "والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهيرية" والقانون رقم 5 لسنة 1991 بشأن تطبيق مبادئ حقوق الإنسان من أية إشارة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلى المواثيق الدولية حتى تلك التي ترتبط بها ليبيا.

وهذا ما حدا بلجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لأن تعرب في تقرير ملاحظاتها الختامية حول تقرير الجماهيرية الليبية سنة 1998عن شعورها بالقلق"إزاء عدم الوضوح فيما يتعلق بالوضع القانوني للعهد (الدولي للحقوق المدنية والسياسية) ولا سيما بخصوص مركز العهد والوثيقة الخضراء العظمى لحقوق الإنسان والإعلان الدستوري"(25).

ورغم أن الدستور اليمنى تضمن نصا يقول : تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة " (م 6) إلا أن مثل هذا النص لا يحمل سوى قيمة أدبية ولا يجعل بذاته من مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو غيره من المواثيق الدولية جزءا من التشريع الداخلي.

وبالمثل أورد تقرير لجنة حقوق الإنسان بالملاحظات الختامية على تقرير الكويت لعام 2000 أن اللجنة تلاحظ باهتمام عدم وضوح وضع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في التشريع الكويتي لوجود نصوص دستورية متناقضة. وليس من الواضح حتى بعد الإيضاحات الشفوية التي قدمها وفد الكويت ما إذا كان يحق للأفراد أن يحتجوا بنصوص العهد مباشرة أمام المحاكم الكويتية أم لا(26) .

2- الطبيعة الدستورية لمبادئ حقوق الإنسان في التشريع الوطني :

على أن إدراج مبادئ حقوق الإنسان في صلب الدساتير العربية والنص عليها في باب الحقوق والحريات العامة يجعل لهذه الحقوق سموا دستوريا لا باعتبار مصدرها الدولي وإنما باعتبار أنها جزء مكون للدستور يتمتع بسمو مواد الدستور على التشريع العادي.

ولكن الذي يحول دون تحقيق الفعالية للمبادئ الدستورية لحقوق الإنسان في الدساتير العربية أن كل الدساتير العربية كما سبق أن أشرنا تحيل إلى المشرع العادي في تنظيم الحقوق والحريات التي أوردتها على وجه الإجمال. ولكن المشرع يتجاوز سلطته الدستورية في تنظيم الحق إلى الاعتداء عليه وتقييده ومصادرته.

ثمة ضمانتان تكفلان الحيلولة دون الاعتداء التشريعي على حقوق الإنسان تذرعا بتنظيم هذه الحقوق. الضمانة الأولى: وضع الحدود والفواصل المفاهيمية بين التنظيم المشروع دستوريا و التقييد غير الدستوري. والضمانة الثانية: هي إيجاد آلية فعالة للرقابة على دستورية القوانين يؤدى إعمالها إلى إبطال القوانين التي تعتدي على حقوق الإنسان المقررة في الدستور باعتبارها قوانين غير دستورية. كلتا هاتين الضمانتين يكفلهما وجود محكمة دستورية عليا تمارس عملها بكفاءة وحيدة واستقلال.

ولا تعرف النظم العربية إلا النموذج المصري للمحكمة الدستورية العليا باعتباره نموذجا قام بدوره الفعال في تأمين التطبيق المباشر للنصوص الدستورية المتعلقة بحقوق الإنسان عن طريق الحكم بعدم دستورية التشريعات المخالفة لها. وقد أصدرت هذه المحكمة أحكاما عدة تؤمن مبدأ المساواة أمام القانون، وحق التقاضي والحق في محاكمة عادلة منصفة، وشرعية التجريم والعقاب. ووضعت المحكمة الضوابط التي على المشرع أن يلتزم بها في معرض تنظيم حقوق الإنسان وحرياته حتى لا يؤدى تعسفه في استخدام سلطته إلى تقييد الحق والحرية.

كما أقرت المحكمة مبدءاً مؤداه أنه "لا يجوز لدولة القانون أن تنزل بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديموقراطية ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيودا تكون في جوهرها ومداها مجافية لتلك التي درج العمل في النظم الديموقراطية على تطبيقها"(27).

3- التحفظات العربية على مواثيق حقوق الإنسان :

تتعدد تحفظات الدول العربية على الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان التي ارتبطت بها الأمر الذي يجرد أحيانا التزام الدول العربية باحترام الحقوق الواردة بالاتفاقية من أي مضمون.

وكثير من تلك التحفظات تذهب إلى عدم تطبيق الاتفاقية بما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية. والأجدر بالدول العربية التي تخشى من أن يؤدى التزامها الدولي إلى المساس بمبادئ الشريعة الإسلامية أن تبادر قبل الارتباط بالاتفاقية الدولية إلى دراسة علاقة الالتزامات التي تفرضها الاتفاقية بمبادئ الشريعة على وجه محدد مع الالتزام بالتفسير المستنير لمبادئ الشريعة الذي يعي متطلبات العصر ويتواءم معها.

على أن عزوف المشرع العربي عن هذا المنهج الجاد واستسهاله التحفظ اعتباطا دون توضيح لما عساه أن يكون من موضع للتعارض بين مبادئ حقوق الإنسان والشريعة كان محلا لملاحظات لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة على تقارير البلدان العربية ومنها مصر. وعلى سبيل المثال لاحظت لجنة حقوق الإنسان في ردها على تقرير مصر "الطابع الملتبس" لإعلان الدولة بالتحفظ استنادا إلى الشريعة الإسلامية عند التصديق على العهد. وطلبت من الدولة الطرف أن تحدد مدى إعلانها أو تسحبه(28).

وبصورة خاصة فقد نالت اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة النصيب الأوفر من التحفظات التي تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية. بل إن بعض الدول العربية تحفظت على المادة الجوهرية التي تشكل جوهر الاتفاقية والتي تنص على مبدأ عدم التمييز وهي المادة الثانية الأمر الذي يفرغ التصديق على الاتفاقية من أي مغزى. وهذا ما دعا لجنة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة بالأمم المتحدة إلى التعبير عن "قلقها إزاء العدد الكبير من التحفظات التي بدا أنها لا تتناسب مع موضوع وغايات الاتفاقية"(29).


رابعًا : حقوق الإنسان والديموقراطية
ترتبط مسألة الديموقراطية بحقوق الإنسان برباط لا ينفصل . فالنظام السياسى الديمقراطى هو شرط ضروري وأولى لاحترام وتأمين حقوق الإنسان. ولا يُتصور الحديث عن حقوق للإنسان في مجتمع استبدادي شمولي رغم كل ما يتردد عن أن بعض الأنظمة الشمولية قد توفر لمواطنيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فحقوق الإنسان حقوق متكاملة مترابطة لا يمكن التضحية ببعضها لحساب البعض الآخر.

ودون الدخول في تفصيلات نظرية حول تعريف الديموقراطية فإن أحد تعريفات الديموقراطية من منظور حقوق الإنسان أنها حق أصيل للمواطن في إدارة شؤون مجتمعه وفي المشاركة السياسية في حكم هذا المجتمع.

هذا التعريف مستمد مما نصت عليه المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقولها:

1- لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.

2- لكل شخص بالتساوي مع الآخرين حق تولى الوظائف العامة.

3- إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت.

ونفس هذا المعنى نصت عليه المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

فالفقرة الأولى من المادة تقرر الحق في المشاركة السياسية. وهي هنا تتحدث عن نموذج الديموقراطية المباشرة بقولها (إما مباشرة) أو نموذج الديموقراطية النيابية التي ينيب فيها المواطنون نوابا عنهم في ممارسة المشاركة السياسية. أما الفقرة الثانية فتتحدث عن المساواة في التمتع بحق تولى الوظائف العامة.

والفقرة الثالثة من المادة لا تتحدث عن حقوق وحريات جديدة بل تضع آلية معتمدة دوليا لتطبيق حق المشاركة السياسية وهي استناد سلطة الحكم إلى إرادة الشعب التي تتجلى في انتخابات دورية حرة نزيهة فبدون ذلك لا يستقيم الحديث عن الديموقراطية أو عن الحق في المشاركة السياسية.

وقد كانت المسودة التي أعدتها سكرتارية الأمم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد أفردت مادة مستقلة تتحدث عن الحق في المشاركة في الحكم والحق في الحصول على الخدمات العامة على قدر متساو. وهذه هي المادة 30 من المسودة التي كانت تنص على أنه: "لكل شخص الحق في أن يشارك بفعالية في حكومة الدولة التي يتمتع بمواطنتها.

ويقع على الدولة واجب التوافق مع رغبات الشعب المعلنة بانتخابات ديموقراطية. وتكون الانتخابات دورية وحرة ونزيهة" كما نصت المادة 31 من المسودة على أنه: "لكل شخص الفرصة المتساوية في الحصول على ما تؤديه الدولة التي يتمتع بمواطنتها من وظائف.

والتعيين في المصالح العامة يكون من خلال مسابقات تنافسية" وهذه الصياغات وإن جرى إغفالها في مراحل إعداد الإعلان لاحقا إلا أنها تنبئ عن مفهوم واضعي الإعلان عن المشاركة السياسية والتطبيق الديموقراطي.

وقد تضمنت أغلب المواثيق الإقليمية النص على الحق في المشاركة السياسية بصياغات مختلفة و بقدر أو آخر من التفصيل. كما فرضت المواثيق الدولية قيودا على مباشرة هذا الحق أسماها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (م 23) بالقيود المعقولة. وتتمثل هذه القيود المعقولة في ربط ممارسة الحق في المشاركة السياسية بقيود الأهلية القانونية كبلوغ سن معين أو عدم وجود عاهة عقلية أو عدم صدور عقوبة جنائية في حق الشخص تجرده كليا أو جزئيا من أهليته السياسية لارتكابه جريمة خطيرة.

وتحتل مسألة العلاقة بين الديموقراطية وحقوق الإنسان اهتماما كبيرا على المستوى الدولي في الوقت الحاضر خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة. وفي هذا السياق يجئ القرار الصادر عن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في دورتها الخامسة والخمسين برقم 1999/57 في 27 إبريل سنة 1999 والذي يحمل عنوان "تعزيز الحق في الديموقراطية".

 يشير هذا القرار في ديباجته إلى أن "الديموقراطية والتنمية واحترام جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية هي أمور مترابطة ويعزز بعضها بعضا، وأن الديموقراطية تقوم على إرادة الشعوب التي تعرب عنها بحرية من أجل تحديد النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاصة بها وعلى مشاركتها الكاملة في كافة نواحي حياتها. "والمهم في هذا القرار أنه بينما تؤكد مادته الأولى على الترابط بين الديموقراطية وتعزيز حقوق الإنسان بصفة عامة فإن المادة الثانية تتحدث عن حقوق يجب احترامها حتى يستقيم القول بوجود حكم ديموقراطي رشيد.

هذه الحقوق هي:

 الحق في حرية الرأي والتعبير والفكر والوجدان، والحق في تكوين الجمعيات السلمية والاشتراك في الاجتماعات، والحق في حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة، وحكم القانون بما في ذلك حماية القانون لحقوق المواطنين ومصالحهم وأمنهم الشخصي والإنصاف في إقامة العدل واستقلال القضاء، والحق في الاقتراع العام على قدم المساواة وفي حرية إجراء التصويت وإقامة انتخابات دورية وحرة، والحق في المشاركة السياسية بما في ذلك تكافؤ الفرص أمام المواطنين كافة لترشيح أنفسهم في الانتخابات، وإقامة مؤسسات حكومية شفافة وخاضعة للمساءلة، وحق المواطنين في اختيار نظامهم الحكومي بالوسائل الدستورية أو غيرها من الوسائل الديموقراطية، وحق الفرد في تكافؤ فرص الاستفادة من الخدمات العامة في بلده.

ولا يكتفي هذا القرار الصادر عن لجنة حقوق الإنسان ببيان الترابط العضوي بين الديموقراطية وعدد من الحقوق المدنية والسياسية يستحيل القول بوجود نظام ديموقراطي دون احترامها، بل أنه أيضا يعقد الصلة الوثيقة بين الديموقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "فإعمال حقوق الإنسان كافة – المدنية منها والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية بما في ذلك الحق في التنمية – هو أمر لا غنى عنه من أجل التمتع بالكرامة الإنسانية والتنمية التامة للإمكانات البشرية، كما يشكل جزءا متمما للمجتمع الديموقراطي".


وفي العام التالي (2000) تقدمت لجنة حقوق الإنسان خطوة أخرى بأن طالبت الدول بإجراءات محددة من أجل تفعيل الترابط العضوي بين الديموقراطية وحقوق الإنسان هذا الترابط الذي أشارت إليه في قرارها السابق. فاعتمدت اللجنة في دورتها السادسة والخمسين القرار 2000/47 بشأن تعزيز الديموقراطية وتوطيدها، وطلبت إلى الدول تعزيز وتوطيد الديموقراطية عن طريق تعزيز التعددية وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وإشراك الأفراد إلى أقصى حد في عملية اتخاذ القرارات وإقامة المؤسسات التي تدعم الممارسة الديموقراطية بما في ذلك جهاز قضائي مستقل وهيئة تشريعية وإدارة عامة تتسم بالفعالية وتخضع للمساءلة ونظام انتخابي يكفل إجراء انتخابات دورية حرة ونزيهة. كما تضمن القرار سلسلة من التوصيات موجهة إلى الدول تحثها على اتخاذ إجراءات لتعزيز واحترام وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيز سيادة القانون وإقامة وتعزيز وصون نظام انتخابي يكفل التعبير عن إرادة الشعب تعبيرا حرا ونزيها عن طريق إجراء انتخابات حقيقية ودورية ، وتعزيز الديموقراطية من خلال حسن إدارة الشئون العامة، وتحسين شفافية المؤسسات العامة إلى آخر ذلك.

إذن فقد تحول الربط بين الديموقراطية وحقوق الإنسان من مجرد الربط بين الأهداف والقيم في مرحلة مبكرة إلى بلورة ما يمكن أن يسمى بالحقوق الديموقراطية في مرحلة ثانية إلى مزيد من بلورة هذه الحقوق فيما يسمى بالإجراءات الديموقراطية في مرحلة ثالثة.


تبلور هذا الاتجاه المتمثل في الربط الإجرائي بين الديموقراطية وحقوق الإنسان في قرار لجنة حقوق الإنسان 2002/46 المعنون "زيادة التدابير الرامية إلى تعزيز الديموقراطية وتوطيدها". في هذا القرار لم تحاول اللجنة تقديم تعريف للديموقراطية، وهي المهمة العقيمة التي تتذرع بصعوبتها بعض النظم غير الديموقراطية للتهرب من استحقاقات الديموقراطية، وإنما أوردت اللجنة قائمة بالخصائص الأساسية اللازم وجودها في أي نظام ديموقراطي وهي: احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحرية تكوين الجمعيات وحرية الرأي والتعبير وإمكانية تولى السلطة وممارستها بمقتضى سيادة القانون، وإجراء انتخابات دورية حرة ونزيهة بالاقتراع العام وبالتصويت السري كوسيلة للتعبير عن إرادة الشعب ووجود نظام للتعددية الحزبية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والشفافية والمساءلة في الإدارة العامة، وحرية وسائل الإعلام واستقلالها وتعددها(30).

على أن ارتباط الديموقراطية بحق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية يبدو أمرا جوهريا لأن هذا الحق هو التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية هذا التعبير الذي هو الجوهر الحقيقي للديموقراطية. "ولما كان الشعب يتمتع بسلطة إقامة النظام السياسي، فإن على هذا النظام أن يكفل أن تكون سيادة الشعب بهذا المفهوم قائمة دوما على التعبير الديموقراطي عن إرادته. وهذا يعنى إجراء انتخابات حرة و حقيقية يمارس فيها المواطنون حقهم في أن ينتخبوا الآخرين وينتخبهم الآخرون مع تمتعهم بحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تكوين الجمعيات(31) " باعتبارها حريات لصيقة لممارسة الشعب بفعالية لحقه في تقرير مصيره.

والإطار الذي يتم من خلاله تحقيق التكامل والتفاعل بين الديموقراطية وحقوق الإنسان وخاصة الحق في إجراء انتخابات حرة وفي تكوين الجمعيات وفي حرية التعبير عن الرأي وتشكيل الأحزاب السياسية هو مبدأ سيادة وحكم القانون. وفيما يتعلق بالتطبيق الديموقراطي فإن دولة القانون هي وحدها التي بوسعها أن تضع قيودا قانونية على سلطات الدولة وتفرض على هذه السلطات رقابة مؤسسية.

 وتعنى سيادة القانون تطبيق مبدأ الشرعية بكل إخلاص ونزاهة في العلاقة بين الدولة والأفراد. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الفصل بين السلطات لتحقيق التوازن والرقابة المتبادلة بين السلطات الثلاث. كما لا يمكن لدولة القانون أن تقوم إلا بالاعتراف بالحقوق والحريات العامة واستقلال القضاء وإقامة مؤسسات تكفل التمتع بحقوق الإنسان.

هذه المبادئ كلها سواء المتعلقة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو بدولة القانون، نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. والجديد هنا أنها أصبح ينظر إليها كحقوق لازمة لوجود الديموقراطية كنظام سياسي، فلا ديموقراطية بدون حقوق للإنسان، ولا حقوق للإنسان بغير ديموقراطية فالمفهومان وجهان لعملة واحدة.

والجديد في فقه القانون الدولي أنه أصبح ينظر إلى الديموقراطية بما تنطوي عليه من حقوق موضوعية وجوانب مؤسسية باعتبارها حقا من حقوق الإنسان. فأصبح الحديث يجرى عن الحق في الديموقراطية أي الحق في اقتضاء الحقوق المصاحبة للديموقراطية والتي سبق الحديث عنها. ويعرف البعض الحق في الديموقراطية بأنه "القدرة الذاتية للأفراد والشعوب على مطالبة السلطة بنظام سياسي يقوم على أساس سيادة القانون والفصل بين السلطات ويستطيع المواطنون في ظله أن ينتخبوا دوريا زعماءهم وممثليهم في انتخابات حرة ونزيهة على أساس التفاعل بين عدد من الأحزاب السياسية والاحترام التام لممارسة حريات التعبير والصحافة وتكوين النقابات والجمعيات والتمتع الفعلي بحقوق الإنسان"(32)


رياح الديموقراطية تهب على العالم :


إذن فقد تحولت الديموقراطية من مجرد مفهوم سياسي يختلف البعض في تعريفه عن عمد أو غير عمد، إلى مفهوم حقوق منضبط انتهي إلى ما أصبح يعرف بالحق في الديموقراطية. وأصبح الالتزام بالحقوق الديموقراطية نصا ثابتا في أغلب المواثيق الإقليمية.

فتنص معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي (ماستريخت) على قيام الاتحاد على مبادئ الحرية والديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون. أي أن الديموقراطية شرط للانضمام للاتحاد الأوروبي (م6) وتحدد المادة 11/1 أحد أهداف السياسة الخارجية والأمن للاتحاد الأوروبي بأنه احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وفي هذا السياق قرر المجلس الأوروبي في اجتماعه المنعقد في كوبنهاجن في يونيو 1993 أنه يجب على البلدان التي تطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي أن تستوفي شرط تحقيق استقرار المؤسسات الديموقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان واحترام وحماية الأقليات. كما أنشأ مجلس أوروبا نظاما جماعيا إلزاميا لضمان احترام مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان على أساس التعاون والرصد المشترك من خلال مجموعة من الإجراءات السياسية والقانونية(33).

ويعتبر تعزيز الديموقراطية وتأمين احترام حقوق الإنسان أحد الأهداف الأساسية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

وعلى الرغم من وجود العديد من الصراعات ومشاكل الحدود ومشاكل الفقر ووباء الإيدز في القارة الأفريقية فثمة تطور ديموقراطي بالغ الأهمية تشهده القارة في الوقت الحاضر. وفي هذا السياق فإن ميثاق الاتحاد الأفريقي الموقع في لومي في 1 يوليو/تموز 2000 يشير إلى تعزيز الديموقراطية وحماية حقوق الإنسان والشعوب وترسيخ المؤسسات والثقافة الديموقراطية وإيجاد البيئة المواتية للحكم الصالح وسيادة القانون باعتبارها أهدافا أساسية للاتحاد الأفريقي.

وفضلا عن المؤسسات الديموقراطية التي أقامها الاتحاد مثل البرلمان الأفريقي ومحكمة العدل الأفريقية فقد أوردت المادة 30 من الميثاق حكما لا يسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد.

وفي إطار دول الكومنولث أصدرت هذه الدول إعلان هرارى لسنة 1991 يتضمن التزاما محددا بحقوق الإنسان والديموقراطية ودعم المؤسسات الديموقراطية وسيادة القانون واستقلال القضاء ووجود حكومات عادلة ونزيهة. واعتمدت حكومات الكومنولث عام 1995 برنامج عمل (ميلبروك) من أجل وضع المبادئ المعتمدة في هراري موضع التطبيق. وأنشئ فريق عمل مؤلف من وزراء الخارجية كآلية لتنظيم وتنسيق عمليات التصدي لمبادئ احترام الديموقراطية وحقوق الإنسان(34).

وبالمثل كررت دول الجماعة الناطقة بالفرنسية في إعلان باماكو (نوفمبر 2000) التزامها بمبادئ الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وتعزيز المؤسسات التي تضمن ذلك. كما اتفقت على مجموعة من الإجراءات لرصد وتطبيق الممارسات المتفقة مع الديموقراطية وحقوق الإنسان واتخاذ تدابير محددة في حالة المخالفات الجسيمة.

وهكذا يبدو جليا أن العالم يشهد اليوم تبلور نظام قانوني للديموقراطية وتعزيزها يتمثل في "مجموعة من المبادئ والمعايير والقواعد والإجراءات وآليات حل المنازعات والتدابير القسرية أحيانا"(35) من أجل نشر الديموقراطية وتعزيزها بين المجموعات الإقليمية.


الديموقراطية في التجربة العربية :


تثبت التجربة العربية أن أمر الديموقراطية وحقوق الإنسان ليس أمر نصوص وقواعد والتزامات فحسب بل هو في المقام الأول أمر اقتناع عام على المستويين الرسمي والشعبي بجدوى الديموقراطية وأهمية احترام حقوق الإنسان لبناء مجتمع قوى فاضل يتمتع فيه أفراده بالأمن والقدرة على إحداث تنمية متواصلة.

 فالدساتير العربية كلها تتبنى الديموقراطية ومبادئ حقوق الإنسان بشكل أو آخر. وتوجد في البلدان العربية تشريعات وهياكل مؤسسية يدٌعي أنها تهدف إلى تحقيق الديموقراطية وتأمين حقوق الإنسان. كما توجد بها هياكل للسلطة القضائية التي تعمل على تطبيق قواعد قانونية صادرة سلفا في ظل نظام معلن للشرعية.

ومع ذلك فالمنطقة العربية على اختلاف ظلالها هي منطقة بؤس ديموقراطي وحقوقي شديد رغم كل المظاهر المعلنة والعبارات التي تدّعي غير ذلك. وبدا أن السلطة العربية نجحت في الالتفاف على المطالب الديموقراطية الداخلية والضغوط الديموقراطية الخارجية (رغم أن الأخيرة غير مبرأة من الهوى).

وأصبح السؤال الذي يلح على المثقفين الوطنيين العرب هو: هل نحن أمام حالة عربية مستعصية على الديموقراطية؟ وهل ثمة أنساق ثقافية تستعصي على تقبل قيم الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان؟ وهل تقع الثقافة العربية كما يردد البعض في هذه الأنساق؟ وهل من سبيل إلى تعديلها وتقويمها أو على الأقل إلى إشاعة حد أدنى من التوافق الاجتماعي بين الثقافة السائدة والقيم الديموقراطية ذات الطابع الإنساني الشامل؟ تعددت الإجابة على هذه الأسئلة سواء في التراث الفلسفي أو في دراسات علم النفس والسلوك الإنساني.

فثمة آراء متعددة في التراث الفلسفي والاجتماعي الغربى بدءاً من أرسطو وحتى هيجل وماركس وماكس فيبر تتحدث عن الاستبداد الشرقي وطبائعه وتذهب إلى الربط بين الشرق والاستبداد وتربط ذلك بعوامل جغرافية وطبيعية تارة وبعوامل اقتصادية تارة أخرى وبعوامل دينية تارة ثالثة، وبكل هذه العوامل مجتمعة في أحيان كثيرة. ودون الدخول في تفاصيل هذه الآراء التي دخلت هي نفسها إلى متحف تاريخ الفكر العنصري أو الفكر المادي المتصلب، فلا بد أن نبرز بوضوح فارقا منهجيا بين تفسير سيادة عادة الاستبداد الاجتماعي والسياسي في بعض المجتمعات وفي حقبة تاريخية محددة وبين اعتبار الاستبداد قدرا مكتوبا حتميا لن تستطيع بعض الشعوب لطبيعتها الملازمة الفكاك منه.

وليس في الثقافة العربية عناصر تجعلها عصية على تقبل الديموقراطية. بل على العكس تحتل قيم الحرية ومغالبة الظلم عند العرب الأقدمين وفي التراث الدينى مكانا بارزا مشهودا في الثقافة العربية. ووجود عوامل سياسية واجتماعية أدت إلى شيوع ثقافة تقبل الاستبداد وعدم التسامح والخضوع للحاكم في فترات تاريخية معينة أمر ليس قاصراً على العرب وحدهم فضلا عن أن تراث العرب وثقافتهم يشهد بتقديسهم قيـم الحريـة واحترام كرامـة الإنسان والحوار مع الآخر.


على أن مبررات الاستبداد المعاصر التي تروج لها المؤسسات العربية الحاكمة يمكن حصرها في تبريرات ثلاثة : الأولى ذات طابع ديني بزعم أن الديموقراطية الليبرالية تتنافي مع تراثنا الديني الذي يأمرنا بطاعة ولى الأمر في حدود ما أمر الله به ورسوله، وأن أقصى ما يعرفه الإسلام من حق للمشاركة السياسية هو مبدأ الشورى التي هي في نظر أصحاب هذا الرأي غير ملزمة للحاكم الذي يحكم بما أنزل الله.

والتبريرات الثانية ذات طابع أيديولوجي تكتسب رداء ثوريا تحرريا عن طريق إحياء وترديد مقولات المد القومى في الستينيات حول أن تحرر الأوطان مغلب على حرية الإنسان وأن حرية رغيف الخبز مقدمة على حرية الكلمة واللسان. ويرتبط بذلك أيضا التبريرات ذات الطابع الاقتصادي التنموي والذي يعطى الأولوية لتحقيق النمو الاقتصادي على تحقيق الإصلاح الديموقراطي بحسبان أن هذا الإصلاح من شأنه أن يؤدى إلى فقدان الاستقرار الذي هو شرط أساسي للنمو الاقتصادي المتراكم.

ورغم أن هذا الرأي الأخير يجد شواهد على صحته في بعض دول آسيا التي حققت معدلات عالية من التنمية الاقتصادية مع غيبة أية مؤسسات أو قيم ديموقراطية حقيقية مؤثرة في المجتمع فإن هذه الشواهد خادعة إذ ثبت أن التنمية الاستبدادية هي تنمية هشة سرعان ما تذروها الرياح وينخر فيها سوس الفساد.وهذا ما يشير إليه مارك. ف. بلانتر في مقاله المتميز عن "اللحظة الديموقراطية"(36) حين يؤكد أن الدول ذات التوجه السياسي الاقتصادي الليبرالي أقل تعرضا للانهيارات الاقتصادية من الدول الشمولية. هذا فضلا عن قابلية الدول الشمولية في غيبة رقابة ديموقراطية فعالة لاستشراء الفساد والعشوائية في القرارات الاقتصادية وهي آفات كفيلة بالإطاحة بكل تنمية اقتصادية.

ومن ناحية أخرى فإن البدائل السياسية الرئيسية المتداولة بين المثقفين العرب في حاجة إلى إعادة مراجعة لتكون الديموقراطية مكونا رئيسيا من مكوناتها بالتجاوز عن الصورة التقليدية التي بدت بها هذه البدائل في عصور ماضية. فلابد لكل من الخيار اليسارى بمختلف تجلياته والخيار الإسلامي بمختلف فروعه وتوجهاته والخيار القومى بمختلف أطروحاته أن يتبنى الديموقراطية عن إيمان حقيقى وأن يقبل بتداول السلطة استنادا إلى إرادة الجماهير وبالحق بالمشاركة السياسية وبإعلاء احترام حقوق الإنسان بمختلف فئاتها وأجيالها.

فالديموقراطية هي الطريق الوحيد لخروج الشعوب العربية من أزماتها الخانقة ولمواكبة تطورات العصر.


الهوامش

(1) انظر في هذا المعنى، جاك دونللى، حقوق الإنسان العالمية بين النظرية والتطبيق، ترجمة مبارك على عثمان، مراجعة الدكتور محمد نور فرحات، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1998، ص 24 وما بعدها.

(2) د.الشافعي بشير، قانون حقوق الإنسان ومصادره/منشور في كتاب حقوق الإنسان، المجلد الثاني، إعداد د.محمود شريف بسيوني وآخرين، دار العلم للملايين، 1989، ص 18

(3) المرجع السابق، ص، 28

(4) راجع الدكتور وائل أحمد علام، الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، القاهرة، دار النهضة العربية، 1999 ص.83.

(5) راجع ، محمد نور فرحات، مبادئ حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية، في كتاب : حقوق الإنسان – الثقافة العربية والنظام العالمي، اتحاد المحامين العرب ، القاهرة 1993 ، ص 43 وما بعدها.

 (6) المرجع السابق ص 48

(7) راجع، محمد نور فرحات، تاريخ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان – جوانب الوحدة والتميز، منشور في "دراسات في القانون الدولي الإنساني"، دار المستقبل العربي، الطبعة الأولى 2000، ص 84 .

 (8) تلبية لدعوة مؤسسي اللجنة وفي مقدمتهم هنري دونان عقد في جنيف في 26 أكتوبر سنة 1863 المؤتمر الدولي الأول للصليب الأحمر بحضور ممثلي 16 دولة وأربع جمعيات إنسانية وكان هذا المؤتمر إيذانا بميلاد مؤسسة الصليب الأحمر .

(9) راجع: www. Icrc.org /web/ara/siteara0.nstf/html/5NWS5A                                      

 (10) انظر، د.عامر الزمالي، آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، منشور في، القانون الدولي الإنساني – دليل التطبيق عل الصعيد الوطني، القاهرة 2003، ص 262

(11) تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان لعام 2004، صفحة 32-33

(12) انظر بالتفصيل، د.كاظم المقدادي، إدارة بوش وضحايا الحروب ومحكمة الجنايات الدولية، منشور في

http://www.iraqcp.org/report5/002715almkdad.htm (13) وشهد يوم افتتاح المحكمة ارتكاب سلاح الجو الأمريكي مجزرة جديدة في أفغانستان، عندما قصف بقنابل ضخمة فتاكة حفل زفاف في إقليم أوروزغان، شمال مدينة قندهار، كان يحضره نحو 400 مواطن، فقتل منهم 48 وجرح 118، من بينهم أطفال ونساء، بحجة أن الطائرات العسكرية الأمريكية تعرضت لنيران مدفعية، بينما كان أهل العريس والعروس يطلقون النار من مسدساتهم وبنادقهم في الهواء تعبيراً عن فرحهم. واعتـرف البنتاغـون "بقصف مدنيين عـن طريق الخطـأ"، لكنـه لم يقـر بمسئوليته عن المجزرة، واكتفي الرئيس الأمريكي بتقديم التعازي لذوي الضحايا.

وقيل إن الحكومة الأمريكية قدمت تعويضات للضحايا، قدرها- لاحظ !- 200 دولار عن كل قتيل و75 دولار عن كل جريح !!، لكن روجر كين- المتحدث باسم القوات الأميركية- نفي، في 12 / 7 ، تقديم الحكومة الأمريكية لأية تعويضات مالية للضحايا. كما شهد العالم بعد جريمة إعدام الأسرى الأفغان، وقد عرض في الرايخستاغ الألماني وفي البرلمان الأوربي في ستراسبورغ فيلم وثاقي بعنوان "مجزرة في المزار" تحدثت عن قتل أسرى الطالبان أثناء نقلهم، وعلى اثر ذلك جرت المطالبة بتشكيل لجنة دولية للتحقيق بتلك المجزرة.ولليوم يتستر البنتاغون على تلك الجريمة البشعة.


(14) Paul Sieghart, op.cit. p.438

(15) راجع، Francis Wolf , Human Rights and the International Labour Organisation , in " Human Rights In International Law , edited by Theodor Meron , Clarendon press, Oxford, 1985,p.273

(16) الصادق شعبان، الاتفاقيات الدولية وغيرها من النصوص المتعلقة بمجالات مهمة من حقوق الإنسان، منشور في كتاب حقوق الإنسان، إعداد شريف بسيوني وآخرين، سابق الإشارة، ص 136- 137رجع السابق، ص 156

(17) منشور في http://www.ilo.org/public/arabic/region/arpro/beirut/infoservices/newsroom /press20 01/jan_24.htm

(18) انظر، د. برهان أمر الله، حق اللجوء السياسي، دراسة في نظرية حق الملجأ في القانون الدولي، دار النهضة العربية، 1983، ص 17

(19) المرجع السابق، ص 156

(20) ولم يقدر لحق الملجأ أن يجد مكانا له في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نظرا لتمسك الدول عند إعداد العهدين الدوليين بفكرة السيادة. فقد اقترح المندوب اليوغوسلافي أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة في دورتها الخامسة سنة 1950 إضافة نص يقضى بحق الأفراد في الملجأ. وبناء عليه أوصت الجمعية العامة بالقرار رقم 421/ب المجلس الاقتصادي والاجتماعي بتكليف بتكليف لجنة حقوق الإنسان التابعة له بأن تأخذ في الاعتبار عند إعداد المشروع الاقتراح المقدم من يوغوسلافيا. وعندما أحيل الموضوع إلى اللجنة انتهت إلى رفض الاقتراح لاعتراض غالبية الدول على أساس أن منح حق الملجأ من المسائل الخاضعة لمطلق سيادة الدولة. راجع، برهان أمر الله، المرجع السابق، ص 180

(21) انظر حماية اللاجئين، دليل ميداني للمنظمات غير الحكومية، صادر عن مفوضية شؤون اللاجئين، ص ص 20-22

(22) قرار مجلس الأمن رقم 1373 لسنة 2001 وقرار الجمعية العامة رقم 56/160 في 19 ديسمبر 2001

(23) راجع، الشافعي بشير، سابق الإشارة، ص 37

(24) راجع الصادق شعبان، الاتفاقيات الدولية وغيرها من النصوص المتعلقة بمجالات هامة من حقوق الإنسان، منشور في كتاب "حقوق الإنسان –المجلد الثاني حول الوثائق العالمية والإقليمية" سابق الإشارة، ص 125

(25) ويضيف التقرير قائلا "ولم تتمكن اللجنة لا من بحثها لتقرير الدولة الطرف ولا في أثناء الحوار مع الوفد من التوصل إلى فهم واضح لكيفية حل التنازع بين العهد والقانون المحلى أو لدور المحكمة العليا في هذا الصدد" راجع نص التقرير في الوثيقة CCCR/C/79/ADD.101

(26) وثيقة CCPR/CO/69/KWT,A/55/40-497

(27) الحكم الصادر في القضية رقم 22 لسنة 8 قضائية دستورية، جلسة 4 يناير 1992

(28) وثيقة CCPR/CO/76/EGY

(29) فريدة بناني، مدى قانونية وشرعية تحفظات الدول العربية والإسلامية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ورقة مقدمة إلى الندوة العربية حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، بيروت يناير 2004، المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

(30) انظر، رودريتش كوادروس، ورقة مقدمة عن تعزيز الديموقراطية وتوطيدها، مقدمة إلى لجنة حقوق الإنسان – اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، الدورة الرابعة والخمسون.

(31) نفس المصدر ص 6.

(32) المصدر السابق، ص،21

(33) نفس المصدر، ص 19

(34) نفس المصدر، ص 18

(35) نفس المصدر ص 20

(36) مجلة الديموقراطية، القاهرة، الكتاب الأول، ديسمبر 1991، ص 29 وما بعدها.