الدليل العربي
حقوق الإنسان والتنمية
الفهرس
تقديم
مقدمة
المشاركون في إعداد الدليل
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الإتفاقيات الدولية
 
حقوق المرأة

  د. ريما الصبان

 

مقدمة :
مرت مئات الأعوام والمرأة في العالم تسعى إلى مجتمع لا يميز ضدها لأنها امرأة. وعمل مئات الآلاف من الناشطين والناشطات في العالم من أجل المرأة. وانطلقت ملايين المظاهرات والاعتصامات في كافة أرجاء العالم عبر السنين ودفع أعداد كبيرة من النساء حياتهن وأكثر، ثمناً للنضال من أجل حقوقهن وحقوق المرأة في العموم. وتعاقبت أجيال على قضية المرأة وحقوقها، ولا يزال الطريق طويلاً، ولا يزال في "بعض المناطق" في العالم ومنها المنطقة العربية غير معبد.
وعندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل 57 عاما كأول وثيقة دولية لحقوق الإنسان عامة، وأكدت فيها على ضرورة عدم التمييز ضد المرأة، كانت النساء في الغرب قد باشرن رحلة المطالبة بحقوقهن قبل ذلك بكثير. منذ تظاهرة "الخبز والورود" في 8 مارس/آذار 1908 (رمز اليوم العالمي للمرأة)، والتي سوف تأتي ذكراها المئوية نيويورك حوالي 15 ألف امرأة يطالبن بحقوق واضحة ومحددة للمرأة، كالمطالبة بتخفيض ساعات العمل، وتعديل الأجور وإعطائهن حق التصويت والتشكيل النقابي، والحد من عمالة الأطفال.
جاء اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي صدر في 10 ديسمبر/كانون أول 1948، تتويجاً لحركة نسائية مطالبة بحقوقها في أوروبا وأمريكا وأنحاء كثيرة أخرى من العالم. ورغم هذا الإعلان لازالت النساء تعانين التمييز والتهميش، المباشر وغير المباشر، المرئي وغير المرئي. ولكن منذ الإعلان العالمي إلى اليوم وحركة المطالبة بحقوق المرأة سارية بجدية إلى جانب التغيير الذي يجيء تدريجياً نتيجة الضغوط العالمية والمحلية وعمل العديد من الناشطين على الصعيد الفردي والجماعي والمؤسسي. فقد صدرت الكثير من المواثيق العالمية والقانونية، وأصبحت أساساً ولغة متداولة في العالم، إلا أنها لا زالت غير فاعلة في الكثير من دول العالم.
وسوف يعرض هذا الفصل لهذه المواثيق العالمية والمحلية.


المواثيق العالمية
ترتبط كافة المواثيق الدولية المتعلقة بشأن المرأة وحقوقها في العالم اليوم، بهيئة الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات المتفرعة عنها. وإذا كان في العالم اليوم عشرات التشريعات، والمواثيق، والإعلانات، والمؤتمرات، والاتفاقيات وغيرها من النصوص الملزمة وغير الملزمة، للدول والأفراد والجماعات، فكل ذلك يعود بشكل أو بآخر لنشأة الأمم المتحدة من جهة، وإن كان في عمقه انعكاس للحراك الاجتماعي المستمر للمرأة ومن يدعم قضاياها من الأحرار في العالم. ففي أقل من ثلاث سنوات على صدور ميثاق تأسيس الأمم المتحدة بتاريخ 26/6/1945 في سان فرانسيسكو، قدمت الأمم المتحدة للإنسان في العالم أول شرعة ومصدر قانوني وتشريعي أصبح أساساً ومرجعية لحقوق الإنسان في عالمنا اليوم:
أ- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(1) صدر في العاشر من ديسمبر 1948، ويتألف من ثلاثين مادة. أكدت الديباجة الأساسية فيه على "الاعتراف بالكرامة المتأصلة لجميع أعضاء الأسرة البشرية وحقوقهم المتساوية الثابتة كأساس للحرية والعدل والسلام في العالم.. وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية".. كما جاء في المادة الأولى للإعلان "يولد الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق.." وفي المادة الثانية "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء". أما المادة 16 فتقول :
1- للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين. ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله. 2- لا يبرم عقد الزواج إلا برضا الطرفين الراغبين في الزواج رضاً كاملاً لا إكراه فيه.
ورغم التأكيد الواضح والصريح في نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على المساواة بين المرأة والرجل في كافة الحقوق، ومنها الحقوق السياسية والاجتماعية إلا أن الواقع كان مختلفاً في حينه، في معظم دول العالم، حيث لم تكن أكثر نساء العالم يتمتعن بالحقوق السياسية في حينه(2).
ب- اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة(3) تتألف هذه الاتفاقية من 11 مادة اعتمدت أساساً على ميثاق الأمم المتحدة وإعلانها العالمي. وأقرت حق النساء في التصويت في جميع الانتخابات، بشروط تساوى بينهن وبين الرجال، دون أي تمييز.. وقد جاءت هذه الاتفاقية تتويجاً لنضال المرأة في العالم من أجل الحصول على الحقوق السياسية. استمر هذا النضال حوالي 70 عاماً في الغرب عموماً ولا يزال مستمراً إلى اليوم في بؤر قليلة جداً في العالم منها المنطقة العربية، وتحديداً دول الخليج العربي. كانت الانطلاقة الأولى في مؤتمر 1848 في نيويورك، والتي أوصلت المرأة بداية في نيوزلندا إلى حقوقها السياسية، ثم تبعها العديد من الدول الغربية، ولم تحصل المرأة في أمريكا على حقوقها السياسية إلا في عام 1920.
كانت حقوق المرأة السياسية على قمة الهرم المطلبي للمرأة في الغرب. لأسباب عدة منها: تلازم قضايا حقوق الإنسان مع نشأة نظام الدولة في العالم، والتي هي أساس في فرز العلاقة بين أجهزة الحكم كسلطة سياسية دستورية حاكمة، وأجهزة المجتمع المدني كسلطة اجتماعية ضاغطة على الدولة والنظام الحاكم من أجل المصلحة العامة. وكان الرأي السائد حينها أن المشاركة السياسية البرلمانية هي أساس التغيير ورصد العلاقة المتوازية بين الدولة والمجتمع. ولهذا كان تركيز النخب الفاعلة في المجتمع على البعد السياسي والمشاركة السياسية.
لكن الحركة النسائية الناشطة في العالم وجدت أن المشاركة السياسية لم تأت بالتغيير المطلوب في أوضاع المرأة بقدر ما أنها أوصلت شرائح معينة من النساء إلى السلطة في الغرب، دون أن تحقق المساواة العامة المطلوبة للمجتمع ككل. ولذلك انتقدت هذه الحركة على أنها نخبوية، وتمثل مصالح الشرائح الميسورة، ولا تمثل مصالح النساء الفقيرات أو العاملات.
ففي الوقت الذي أتاحت حقوق الانتخاب للمرأة في العديد من دول الغرب، لم تكن هذه الحقوق تنسحب على المجتمع ككل، إذ لم يكن السود، أو السكان من أصول أفريقية ممثلين ومعتبرين ضمن قائمة الحقوق، على سبيل المثال لا الحصر. بمعنى أن هذا التاريخ هو فقط بداية الطريق للبعض، لكنها البدايات المنقوصة والتي بدأت تثير الأسئلة وتنشط العمل من أجل المزيد من المطالبة من قبل الشرائح التي بقيت خارج الدائرة.
ج- اتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة(4) وضعت هذه الاتفاقية في أغسطس من عام 1958، وكانت تتعلق بإعطاء المرأة المتزوجة من أجنبي الحق في اكتساب جنسية الزوج، وهي مطبقة الآن في أكثر الدول، والدول العربية ليس من باب حقوق المرأة كما وهو الدافع الأساسي لإصدارها، ولكن من باب التبعية. والمحك الأساسي الذي سنراه لاحقاً لقضية الحق هو تمكّن المرأة من إعطاء جنسيتها لزوجها أو أطفالها، وهذا شأن سوف يأتي في اتفاقيات لاحقة كما سوف نرى.
د. إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة(5)
صدر الإعلان في 7 تشرين الثاني من عام 1967، وتزامن مع التزايد الكمي والتحرري لدول العالم الثالث من قيود الاستعمار، وحركات التحرر العالمية، وحرب فيتنام التي استنهضت مكبوتات المجتمع الأمريكي، وخاصة حركات القضاء على العنصرية، وحركات المرأة وغيرها. ويعكس هذا الإعلان دور المجتمع والمنظمات غير الحكومية التي نشطت على الصعيد الدولي واستطاعت الوصول إلى إعلاء صوتها المطلبي. كما يمثل بداية الوعي العالمي بكون قضية المرأة، كباقي القضايا الإنسانية، مبنية على بذور التمييز ضدها بناء على جنسها. فكما يكون التمييز عنصرياً أو طبقياً فقد يكون أيضاً بسبب الجنس، وقد تلتقي الأسباب فيكون التمييز متشعباً أي يشتمل على أكثر من عنصر. وكل ذلك يعكس تشعب قضايا المرأة وحقوقها. فبعدما حصلت النساء في النخب المجتمعية البيضاء على الحقوق السياسية في العديد من دول العالم وجدن أن هذه الحقوق لم تنه حالة الدونية والتهميش وعدم المساواة ضد المرأة عموماً. وقد جاء ذلك واضحاً منذ ديباجة الإعلان :
"إن الجمعية العامة، أكدت من جديد، إيمانها.. بتساوي الرجل والمرأة في الحقوق.. وإذ يقلقها استمرار وجود قدر كبير من التمييز ضد المرأة، .. يتنافى مع كرامة الإنسان وخير الأسرة والمجتمع، ويحول دون اشتراك المرأة، علي قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويمثل عقبة تعترض الإنماء التام لطاقات المرأة علي خدمة بلدها وخدمة الإنسانية، وإذ تضع نصب عينيها أهمية إسهام المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، والدور الذي تلعبه داخل الأسرة، ولا سيما في تربية الأولاد، وإيمانا منها بأن إسهام النساء والرجال علي السواء في جميع الميادين مطلب لا بد منه للتنمية الكاملة لكل بلد في جميع الميادين، ولخير العالم ولقضية السلم تعلن التالي..."
وجاء الإعلان في 11 مادة أكدت في معظمها على ضرورة اتخاذ القرارات للعمل على تطبيق المواثيق الموجودة التي أقرت مبدأ عد التمييز ضد المرأة. ولم يكتف الإعلان بالإشارة كما في المواثيق السابقة إلى المبادئ الأساسية للمساواة، لكنه قدم تفصيلات للتدابير المفترض اتخاذها في هذا المجال. وكأن هذا الإعلان انتقل أكثر من السابق إلى حيز التطبيق العملي.
فبعد التأكيد على العهود السابقة انتقل الإعلان إلى البحث في التدابير من خلال المادة الثانية. وبدأ في الثالثة الحديث عن أهمية التوعية، وحق المرأة في المناصب. فلا يكفي أن تصوت، بل عليها أن تأخذ دورها الريادي، وقد كان هذا محدود جداً في كافة دول العالم، وكانت الأبوية في السياسة والثقافة السائدة في العالم تهمش المرأة باستمرار. وشدد الإعلان على قضايا بدأت تطرح للمرة الأولى كتعليم الفتيات، وحقهن باختيار أزواجهن، وحقهن في المنح الدراسية، والتدريب المهني، والترقية في الوظيفة، والمكافأة والتقاعد والإجازات والتعويض وإجازة الأمومة، وعدم فصل المرأة من الوظيفة بسبب الحمل، إلى ما هنالك من قضايا جاءت نتيجة للتجارب الحياتية التي عاشتها النساء واختبرت من خلالها النظام الأبوي في صميمه، وهو ما كان يسمى "بالسقف الزجاجي" الذي كانت تصطدم به في العمل داخل الجو الذكوري.


هـ- إعلان حماية النساء والأطفال في الحروب والمنازعات(6)
جاء هذا الإعلان ليكون رادعاً للدول والمنظمات والحكومات المستعمرة، أو المحتلة، لعدم استخدام الأطفال والنساء واستغلالهم في الحروب والنزاعات. فالنساء والأطفال هم دائماً الأهداف السهلة في النزاعات المسلحة. وقد كان الإعلان واضحاً بهذا الشأن وشدد على "ضرورة توفير حماية خاصة للنساء والأطفال من بين السكان المدنيين"، وذلك بعدم قصفهم بالقنابل، أو استعمال الأسلحة وخاصة الكيماوية والبكتوريولوجية ضدهم. ويطالب الإعلان "باتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حظر اتخاذ تدابير كالاضطهاد والتعذيب والتأديب والمعاملة المهينة والعنف" وكذلك اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم.
وقد صدر هذا الإعلان نتيجة للحروب والصراعات. وتزامن مع فترة الحرب الباردة، والصراع العربي الإسرائيلي، ومؤتمر باندونج وسيادة فكر مواجهة الاستعمار ولبروز دور دول عدم الانحياز. لكن رغم تلك المحاولات لا تزال النساء والأطفال أهدافاً سهلة في الحروب والمنازعات، كما رأينا ونرى من مجازر متكررة وانتهاكات في كوسوفو والعراق والسودان وأفريقيا، ولبنان وفلسطين وصولاً بالتفجيرات الإرهابية التي تستهدف النساء والأطفال مباشرة.


و. العهدان الدوليان:
لم تصدق جميع الدول العربية على هذين العهدين إلى اليوم. وعلى الرغم من أن العهدين هما أساسيان للدول التابعة للأمم المتحدة، إلا أن المتابع لمنظومة قوانين حقوق الإنسان يجد أن الدول العربية هي في مؤخرة دول العالم بالنسبة لحقوق الإنسان عموماً وحق المرأة خاصة. فهي إما غير منضمة في الكثير من الأحيان، ثم إذا انضمت إلى عهود واتفاقيات فهي لا تطبق. والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان هما نموذج صارخ لهذا الوضع.
1- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية(7)
صادقت عليه 14 من أصل 20 دولة عربية. كان أولها تونس، لبنان، العراق، سوريا، الأردن، وآخرها جيبوتي، الصومال، والكويت، وفيما بينهما: اليمن، الجزائر، السودان، مصر، والمغرب. من أبرز ما جاء في هذا العهد ضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها ومركزها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بنفسها، كما تتعهد" باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب". كما تتعهد كل دولة بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا من تدابير تشريعية أو غير تشريعية ضرورية لتطبيق العهد، ولكفالة " تساوى الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد".
2- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(8)
كما العهد الدولي للحقوق السياسية، فقد صادقت عليه 14 من 20 دولة، وجاء الترتيب مشابها في المصادقة. ولم تنضم إليه سوى 9 دول عربية هي: لبنان وسوريا والجزائر وجيبوتي والسودان والصومال والكويت(9) وليبيا واليمن. ينص هذا العهد على "ضمان مساواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في هذا العهد" وتتعدد البنود والمواد المتعلقة بهذا العهد والتي تشمل الأسرة، والأم، والأطفال، والشباب، والشابات .. كذلك أعطيت حقوق العمل اهتماما خاصاً" كالحق في تكوين النقابات ... وحق النقابات في إنشاء اتحادات، وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية أو الانضمام إليها، وحق الإضراب وغير ذلك ضمن الحدود القانونية.

تصديق الدول العربية على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

الدولة

حالة الصك

تاريخ التوقيع

تاريخ التصديق/الانضمام

تاريخ الدخول حيز النفاذ

الأردن

تصديق

30/6/1972

28/5/1975

3/1/1976

الإمارات

 

 

 

 

البحرين

 

 

 

 

تونس

تصديق

30/4/1968

18/3/1969

3/1/1976

الجزائر

انضمام

 

12/9/1989

12/12/1989

جيبوتي

انضمام

 

5/11/2002

5/2/2003

السعودية

 

 

 

 

السودان

انضمام

 

18/3/1986

18/6/1986

سوريا

انضمام

 

21/4/1969

3/1/1976

الصومال

انضمام

 

24/1/1990

24/4/1990

العراق

تصديق

18/2/1969

25/1/1971

3/1/1976

عمان

 

 

 

 

فلسطين

 

 

 

 

قطر

 

 

 

 

الكويت

انضمام

 

21/5/1996

21/1996

لبنان

انضمام

 

3/11/1972

3/1/1976

ليبيا

انضمام

 

15/5/1970

3/1/1976

مصر

تصديق

4/8/1967

14/1/1982

14/4/1982

المغرب

تصديق

19/1/1977

3/5/1979

3/8/1979

اليمن

انضمام

 

29/2/1987

9/5/1987


ز. اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة(10)
إذا قال فوكوياما بأن عصر ما بعد الحرب الباردة هو عصر المـرأة، فالحقيقـة إن اتفاقيـةالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة هي عنوان العمل الجماعي، العالمي و"العولمي" من أجل المرأة. فإثر التقدم المحدود الذي أحدثته الحركات النسائية في أوطانها من خلال إيصال العديد من النساء إلى المواقع القيادية، وتغيير القوانين في بعض الدول المتقدمة بدأ كل ذلك ينعكس عالمياً، فخرج الإعلان العالمي للقضاء على التمييز ضد المرأة، واتفاقية الحقوق السياسية وغيرها مما سبق. إلا أن هذه الاتفاقية وبشهادة الكثير من نشطاء العالم هي نقطة تحول في النضال من أجل حقوق المرأة أشبه بنقطة التحول التي أحدثها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.  

لقد اعتمدت الاتفاقية في عام 1979، لكن بداية تنفيذها كانت في مطلع سبتمبر/أيلول 1981. وقد صادق عليها حتى الآن 180 دولة أى 90% من أعضاء هيئة الأمم المتحدة، ولم يصادق عليها ثلث الدول العربية رغم مرور 14 عاماً على وضعها حيز التنفيذ. رافقت الاتفاقية عملاً نسائياً مؤسسياً كانت الأمم المتحدة قد باشرت بتبنيه ودعمه، وقد تبلور هذا العمل خلال المؤتمرات الدولية فـي مكسيـكو، ونيروبي، وبيجين فيما بعد(11). وكانت الاتفاقية أول نص متكامل لحقوق المرأة، يصدر دولياً ويحمل في طياته بذور الدفع من أجل قضايا المرأة. انطلقت الاتفاقية من مبدأ اعتبار قضية المرأة كما القضايا الإنسانية الأخرى، أي قضية التمييز العنصري، والطبقي، وأنها تحتاج لعمل مؤسسي دؤوب للقضاء على هذا التمييز، وأشكاله المتعددة. فالاتفاقية هي أولاً: صك عالمي لحقوق للمرآة للعمل ضمن إطاره المفهومي، وهي ثانياً: أداة توجيه وورقة عمل للأنظمة والحكومات والمؤسسات المحلية والعالمية للعمل من ضمن مفاهيمها، وهي ثالثاً: وثيقة عمل واستنارة للمنظمات النسائية والحقوقية العالمية للاسترشاد والعمل والتطبيق. هذا ما أراد لها واضعوها أن تكون، وهذا ما أصبحت عليه.

لقد استطاعت هذه الاتفاقية أن تأخذ حياةً بذاتها وتتقدم وتتطور وتصبح عنوان مرحلة من العمل الحقوقي للمرأة غير مسبوق. فقد تحولت الاتفاقية وعملية الإشراف على تطبيقها، واللجنة المشرفة عليها، والتقارير المقدمة من الدول ومن الجمعيات غير الحكومية، إلى شبه مؤسسة دولية قائمة على العمل اليومي والدؤوب لمتابعة أوضاع المرأة في العالم. فكيف استطاعت تلك الاتفاقية تحقيق كل ذلك؟ وما هو السر في نجاحاتها؟ هل هو مضمونها؟ هل هو دور القيمين عليها؟ أم أن القضية نفسها هي أصيلة وعادلة ولا يختلف عليها أحد؟

1. مضمون الاتفاقية:
تتألف الاتفاقية من ديباجة وستة أجزاء تضم 30 مادة تعتبر نصاً كاملاً لحقوق المرأة، وكل دولة توقع عليها تعتبر ملزمة بتقديم تقارير عن أوضاع المرأة في بلدها إلى اللجنة الخاصة بالاتفاقية. كذلك يطلب من بعض مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في المجالات المختصة أن تقدم تقاريرها التي تفيد في المقارنة مع التقارير الرسمية وصحتها.
تنطلق الديباجة من الإعلان العالمي ومواثيق وعهود الأمم المتحدة التي تؤكد على عدم جواز التمييز بأي شكل والتمييز القائم على الجنس، لتؤكد على ضرورة مساواة المرأة بالرجل في كافة الحقوق. فالتمييز ضد المرأة هو انتهاك لكرامة الإنسان عموماً، وهو عقبة أمام مشاركة المرأة في حياة بلدها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويعوق رخاء المجتمع والأسرة والتنمية عموماً. وتؤكد الديباجة ضرورة إنهاء فقر المرأة، وتعليمها، وتدريبها، وتأمين الظروف الصحية وفرص العمل المشرف كدعائم أولية في بناء الاقتصاد العالمي الجديد. وتنتهي الديباجة إلى التأكيد على ضرورة تقاسم المسؤولية في الأسرة وتربية الأبناء والواجبات وعلى أن كل هذا لا يمكن تحقيقه إلا ضمن آلية معينة هي التدابير الخاصة التي تتخذها هذه الاتفاقية حين توقيعها.


مواد الاتفاقية30 وهي مقسمة ضمن أجزاء :الجزء الأول هو عبارة عن تعريف للتمييز وأشكاله، وتصف الأجزاء الثاني والثالث والرابع مجمل التدابير المطلوب اتخاذها لإنهاء التمييز، أما الجزء الخامس فهو وصف لعمل اللجنة المشرفة على تطبيق الاتفاقية، والسادس هو وصف للأحكام العامة للاتفاقية.
يعنى الجزء الأول في مادته الأولى بتعريف التمييز ضد المرأة على أنه أي تفرقة أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره التقليل أو عدم الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل. أي أن هذا التعريف يؤكد خاصية حقوق المرأة كحقوق إنسان، فهي في صلب حقوق الإنسان ومركزيتها، وليست جزءاً منها. أما المادة الثانية فتؤكد على ضرورة "شجب الدول الأطراف في الاتفاقية لجميع أشكال التمييز ضد المرأة، وضرورة أن تنتهج كافة الوسائل لإنهاء التمييز ضد المرأة من خلال: إدماج مبدأ المساواة في الدساتير والتشريعات، وفرض حماية القانون والتشريعات العامة لحقوق المرأة، والامتناع عن أي عمل تمييزي ضد المرأة وكفالة السلطات العامة لذلك، واتخاذ كافة التدابير على الأصعدة الفردية والمؤسساتية للقضاء على التمييز ضد المرأة، وإبطال القائم من القوانين والأعراف والممارسات التمييزية ضد المرأة، وإلغاء جميع الأحكام التمييزية ضد المرأة. وتركز المواد(3، 4، 5، 6) من الجزء الأول جميعها على التدابير المفترض اتخاذها: كتغيير الأنماط الاجتماعية، والثقافية، وكفالة ضمان التوازي في التعليم وفرص التعليم، والتربية المشتركة بين المرأة والرجل للأبناء، ومكافحة جميع أشكال البغاء والاتجار بالمرأة.
وتركز الأجزاء من الثاني إلى الرابع على التدابير المفترض اتخاذها لإنهاء التمييز ضد المرأة، ومن أبرزها التدابير السياسية: كالحق في التصويت والترشيح والاستفتاء، والمشاركة في صياغة السياسات العامة، وسياسة الحكومة، والمشاركة في الجمعيات، والمنظمات المحلية والدولية، والحق في الجنسية وتغييرها ومنحها للأبناء كما الرجل.
ويركز الجزء الثالث على التدابير في التعليم وحق التعليم المتساوي الفرص مع الرجل في التوجيه الوظيفي والدراسات والمناهج والتعليم المختلط، والتساوي في المنح الدراسية والتدريب، والألعاب الرياضية وغيرها. ومن التدابير المفترض اتخاذها في ميدان العمل، تنوه الاتفاقية إلى : الحق في العمل، والحق في الفرص المتساوية، والحق في اختيار المهنة، والمساواة في الأجر، والفرص الأخرى كالتدريب وإعادة التدريب، والضمان الصحي والاجتماعي والوقاية الصحية، وإجازات الوضع والأمومة، وضمان عدم الفصل بسبب الحمل، وفي الوقاية والرعاية الصحية. وتنص المواد الأخرى من الجزء الثالث على التدابير الأخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأنشطة العامة، والقروض العامة والمصرفية، والمشاركة في التنمية الريفية، وتنظيم الجمعيات والتعاونيات، والقروض الزراعية وتسهيلات التسويق، والإصلاح الزراعي، والماء والكهرباء والنقل وكل ما يتعلق بتأمين الحياة الكريمة في المناطق الزراعية.
كما يركز الجزء الرابع (المادتان 15و16) على التدابير القانونية كالأهلية القانونية للمرأة تماماً كما الرجل، وإلغاء الصكوك المميزة ضد المرأة في الزواج واختيار الزوج، وعقد الزواج، والحقوق المتساوية مع الرجل أثناء العقد وبعده، وفيما يتعلق بالأطفال والوصاية والقوامة والولاية عليهم، كذلك في اختيار اسم الأسرة للأطفال، والمهنة ونوع العمل، والتسجيل للأطفال.
الجزء الخامس (المواد 17- 22) وكلها تتعلق بأعمال اللجنة المكلفة بمراقبة العملية التدرجية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة في كافة الدول الموقعة على الاتفاقية. وتتألف اللجنة من 23 خبيراً ينتخبون من الأعضاء الذين ترشحهم الدول. ولكل دولة شخص مرشح، واللجنة تنتخب لفترة سنتين. ويراعى باستمرار في الانتخاب التمثيل الجغرافي وتمثيل الدول بالتداور. كما تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية أن تقدم تقريراً عما اتخذته من تدابير، في غضون سنة من نفاذ الاتفاقية، ثم بعد أربع سنوات بناء على طلب اللجنة، ويجوز أن تبين التقارير الصعاب على مدى الوفاء بالالتزام. المواد 19- 22 تتعلق بالنظام الداخلي للجنة والانتخاب والاجتماعات والتقارير السنوية والدراسات المرفقة ومن يقوم بها.
الجزء السادس ويختص بأحكام الاتفاقية كأشكال النفاذ والتوقيع، ومدى سريان العمل بها، ومتى يتم طلب إعادة النظر في الاتفاقية وكيف، وتنفيذها الذي يبدأ 30 يوماً بعد التوقيع والتصديق. كما تحدد المواد الأخرى أحكام التحفظ ومنها أنه لا يجوز التحفظ على أي موضوع ينافي أهداف الاتفاقية العامة وغرضها كالتمييز ضد المرأة. أما المادة 29 فتوضح أشكال التعامل مع الخلافات بين الدول في هذا الشأن، والمادة 30 تشير إلى اللغات التي تنشر فيها الاتفاقية وهي: الأسبانية، الإنكليزية، الروسية، الصينية، العربية، والفرنسية، كما توضح أن الاتفاقية توضع لدى الأمين العام.


2. تقييم عام للاتفاقية والبروتوكول الاختياري الملحق بها
يظهر العرض السابق أن الاتفاقية لم تترك جانباً من أبعاد وحقوق المرأة المعروفة إلا وأشارت إليه، من ظروف الحياة العامة إلى الخاصة، ومن العلاقة بالأسرة والتربية والأبناء والإرث والتملك والزواج والطلاق، إلى شؤون العمل والمعاملات في المؤسسات واتخاذ القرارات في الحياة العامة في كافة المجتمعات الزراعية والصناعية والتجارية، إلى الحقوق السياسية وحقوق التعليم وفرص التدريب والمنح الدراسية. أشارت الاتفاقية إلى حقوق المرأة في مراحل حياتها المختلفة كفتاة، وزوجة، وامرأة عاملة، وربة أسرة، وصاحبة قرار سياسي ومعرفي واقتصادي وتجاري. لم يبق ربما سوى ناحية واحدة وهي حقوق المرأة والشيخوخة، إلا أن الضمان الاجتماعي المذكور يفترض أن يغطيها.
وتكمن أهمية الاتفاقية أنها أصبحت عنواناً عالمياً للدفاع عن المرأة ولتمسك المنظمات غير الحكومية بمبادئها والعمل عليها. كما أن مصادقة أكثر من 90% من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة عليها يعني أن العالم يعلن أنه يرفض التمييز ضد المرأة. ولكن الواقع لا يزال بعيداً جداً عن طموحات الاتفاقية، ولا تزال الهوة بين النظرية والواقع شاسعة. ولا يفترض بعالم يسعى إلى العدالة الاجتماعية القبول بهذه الفروقات. فلو قبلنا قبل ذلك لما انتهت عصور كثيرة من الظلم في العالم كالعبودية وغيرها(12).
ولقد جاءت اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لتنقل العالم إلى واقع ينهي هذا التمييز بشكل كلي، ولذلك فإن الاستمرار في تطبيقها ومراقبة هذا التطبيق لن يكون عملية سهلة وسوف يحتاج للكثير من الجهد، ولتغيير القناعات وتغيير الواقع والثقافات والممارسات. وهذه أكبر التحديات التي تواجه الكثير من المجتمعات ومنها الدول العربية والإسلامية وسوف نتطرق إلى هذا البعد في الفقرات اللاحقة. إلا أن العمل على هذه الاتفاقية قد حفز الكثير من الأنشطة والدراسات والمنظمات. ومن أبرز ما أفرزه العمل على الاتفاقية هو البرتوكول الاختيارى الملحق بها والمعروف ببروتوكول 2000. فما هو فحوى هذا البرتوكول؟ وما أهمية إضافته؟ ولماذا أضيف؟

البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة(13)
يعتبر البرتوكول خطوة متقدمة للاتفاقية لأن التوقيع عليه يعني أن الدولة الموقعة عليه توافق أن تتقدم بحقها شكاوى من أية امرأة أو أكثر من المتضررات أو اللواتي يعانين من التمييز ضدهن بسبب كونهن نساء. إن مثل هذا البروتوكول هو منبر عالمي يتيح لكل امرأة كحالة خاصة أو جماعية أن تطرق بابه إذا كانت الدولة قد دخلت هذا البروتوكول. للأسف أن كل الدول العربية لا زالت خارج هذا البرتوكول، وليبيا هي الدولة الوحيدة المذكورة ضمن الدول المتحفظة، لكنها لا تذكر كموقعة. فحتى يناير من 2005 كانت قد وقعت عليه 76 دولة، بينما 71 فقط هم من المنضوين ضمن هذا البروتوكول.
يتألف البروتوكول من 21 مادة تركز في مجملها على سبل العمل بين"اللجنة" المتابعة للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة وبين الدول الأعضاء الموقعين على البروتوكول. ويركز البروتوكول منذ الديباجة والتي تعيد تأكيد ثوابت الأمم المتحدة من خلال الميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز. ويؤكد البروتوكول منذ المادة الأولى والثانية على إقرار الدولة الطرف فيه، بتلقي اللجنة الخاصة بالقضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة، التبليغات ضدها في حال انتهاك حقوق المرأة كما ورد في الاتفاقية. وتشير المواد (3 و4 و5 و6) إلى كيفية تقديم التبليغ، وشروط التقديم، والحالات التي يجوز فيها التقديم، والشروط التي تتبعها اللجنة لتقبل التبليغ. ثم توضح من خلال المواد (7و8 و9 و10) الخطوات التي تتبعها اللجنة عندما تحصل على التبليغات وكيف تتصل بالدول في حال حدوث انتهاك خطير، وكيف تفحص التقارير، وتتداول مع الدولة، وتقدم النتائج والتوصيات. المادة 11 تؤكد اتخاذ اللجنة لكافة التدابير من أجل حماية الأفراد المتقدمين بشكوى. المواد الأخرى إجرائية وتوضح كيفية الانضمام للبروتوكول، وشروطه، وكيفية التعديل فيه، ونبذه وغيرها من التدابير المماثلة.
يعتبر هذا البروتوكول خطوة متقدمة توحي بأن الدول الموقعة عليه (ثلث دول العالم تقريباً)، هي جادة مبدئياً، في متابعة القضايا العامة والخاصة المتعلقة بالتمييز ضد المرأة. وعلى الرغم من كونه غير ملزم، إلا أن ثلثي دول العالم لم توقع عليه، أي أنها ترفض مبدئياً فكرة الدخول في متابعة لقضايا معينة تتناول التمييز ضد المرأة. أي أن الأغلبية القصوى من دول العالم لا زالت غير موافقة مبدئياً على متابعة قضايا التمييز ضد المرأة والاستجابة لتساؤلات حولها. ولا عجب إذن لو رأينا أنه على الرغم من كل المواثيق الدولية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، فإن واقع المرأة في العالم لا يزال مؤسفاً على الصعيد العام، وكذلك عندما ننظر إلى الحالات الدقيقة لأوضاع النساء في العالم. فلا تزال المرأة في العالم تمثل أكثر الفقراء، إذ أن 70% ممن هم تحت خط الفقر في العالم، هن من النساء، وأكثر الفقراء هن نساء، وأكثر الأميين من النساء، وأكثر اللاجئين في العالم هن من النساء، ومعظم من يقع ضدهم العنف الجسدي هن من النساء، وأكثر من يساق ويباع في سوق الدعارة العالمي هن من النساء.
هذه الصورة القاتمة على الصعيد الدولي العام، تصبح أسوأ عندما ندخل في التفاصيل الذاتية لتجارب النساء. إلا أن هذه التفاصيل لا تزال مغيبة عن مسامع العالم. فالأميات، والفقيرات، واللواتي يسقن للدعارة، أو يضربن ويغتصبن حتى الموت، لا يمكنهن إيصال أصواتهن لكونهن أميات، أو لكونهن لا يجرؤن على الكلام، أو لا يعرفن كيفية التعبير، أو لأن القمع الطويل المدى قد أفقدهن القدرة على التعبير. كما أن معاناة المرأة في العالم لا تقتصر على الأميات، والفقيرات، واللاجئات، بل تطال أكثر نساء العالم حتى في الدول المتقدمة. إذ لا يزال العنف المباشر وغير المباشر يمارس ضد المرأة أينما وجدت. ولا تزال النساء يمثلن الهدف الأول والأسهل في حالات العنف والتحرش الجنسي. ولا تزال النساء تغتصبن كل يوم في كافة أنحاء العالم، ولا تزال كافة قوانين حماية النساء في مثل هذه الحالات ضعيفة أو غير موجودة. وإن وجدت فهي لا تحمي النساء من مثل هذه المظاهر. فالمواثيق الدولية لا زالت غير معمول بها في كافة أرجاء العالم. ولا تزال محدودة الانتشار وسط النخب الاجتماعية، ولا تزال غائبة عن مؤسسات المجتمع والعمل والتعليم. والمطلوب تفعيل هذه المواثيق لا لأنها سوف تنهي التمييز ضد المرأة في العالم بين ليلة وضحاها؛ بل لأنها سوف تشكل درعاً واقياً للمرأة للاستفادة منها وقت الحاجة. كما أنها تكوَن أساساً لثقافة عامة تعتبر التمييز ضد المرأة مرفوضاً وتحفز الجهد لإلغائه. كما تعمل منظمات حقوق الإنسان عامة على الحد من انتهاك الحقوق إلا أنها لم تصل إلى اليوم لإعلاء حقوق الإنسان. فالقوانين والشِّرع والمواثيق هي عناوين توجهات اجتماعية عامة تسير القافلة البشرية أو ترسم لها الخطوط العريضة للمستقبل. ويبدو أنه على صعيد النخب الفكرية في العالم قد تم الاتفاق المبدئي لإنهاء التمييز ضد المرأة، ولكن النخب العالمية وحدها لا تستطيع العمل بنجاح لو كان الواقع نفسه طارداً لهذه الأفكار. ويبدو أن العالم العربي لا يزال طارداً لمثل هذا الواقع طالما أن كل الدول العربية لم توافق على البروتوكول، وأن كل الذين وقعوا على اتفاقية إنهاء التمييز ضد المرأة قد تحفظوا على أهم البنود فيها، مما يعطل العمل بأحكام الاتفاقية.
ففي العالم العربي، ورغم كل المواثيق لا تزال المرأة في كافة شرائحها المجتمعية تعاني من التمييز ضدها على كافة الأصعدة. فهي تعاني في العمل، كما في المنزل، تعاني من القوانين المجحفة المبنية على الثقافات الذكورية السائدة، كما تعاني من علاقتها داخل الأسرة، وفي حمايتها لنفسها وأبنائها من أبسط حقوق الوجود، والسفر، والانتماء ومنح الجنسية واكتساب الجنسية، والزواج والطلاق وغير ذلك. فلماذا لم تستطع المواثيق الموجودة إنهاء حالة التمييز ضد المرأة في المنطقة العربية؟ وهل هذه القوانين الموجودة كافية؟ وهل الانضمام والموافقة على كافة القوانين العالمية سوف يحمي المرأة في العالم العربي من التمييز؟ وهل أن العمل على إحلال الشِّرع العالمية سوف يقرب المرأة العربية من مصاف نظيراتها في العالم؟

المواثيق الإقليمية
المواثيق وشرع حقوق الإنسان وإن لم تطبق بحرفية إلا أنها تعكس روح مضامينها، وتنير الطريق أمام المؤمنين بها. فما هي الشرع والمواثيق التي تسير العالم العربي؟ وهل هي متوافقة مع الشرع العالمية وخاصة فيما يتعلق بقضايا التمييز ضد المرأة؟ إلى أي مدى تحترم هذه المواثيق في العالم العربي؟ وإلى أي مدى تطبقها الدول العربية؟ وهل هي مطبقة بدرجة أقل أو أكثر من الشرع العالمية؟ فيما يلي سوف نقدم نبذة لهذه الشرع وننظر بقرب لمدى فعاليتها في القضاء على التمييز ضد المرأة.

أ-الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب(14)
يعد من أهم وأبرز المواثيق الإقليمية. وهو ثمرة عمل دؤوب للناشطين الأفارقة، وبدأ الإعداد لإصداره منذ يوليو 1979، ثم صدر عام 1981. ودخل حيز التنفيذ في 21 أكتوبر/تشرين أول 1986. وفي عام 1991 كانت معظم الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية (41 دولة) قد صادقت عليه، فيما عدا عشر دول فقط.
ويتألف الميثاق من 68 مادة، تقدم فهماً أفريقيا، وعالماً ثالثيا لحقوق الإنسان، يستند إلى كافة المواثيق والعهود الدولية. فالميثاق الأفريقي "يجمع بين الحاجات المحددة والقيم الكامنة في الثقافات الأفريقية، وبين المعايير المعترف بصحتها عالميا(15)". وأهم ما يميز الميثاق، يبرز من خلال العنوان، وهو تركيزه على الشعوب وقضايا الشعوب، وفي المقدمة قضايا حق تقرير المصير، والحقوق السياسية للأفراد كما الجماعات. والميثاق يتميز كما غيره من المواثيق الدولية بالرغبة الحثيثة للقيمين عليه متابعة مقرراته، لذلك فقد ألحقت به لجنة خاصة تعمل من أجل هذا الغرض تحديداً.
وينقسم الميثاق إلى ثلاثة أقسام رئيسية: الحقوق والواجبات، وتدابير الحماية، وأحكام أخرى.
أما بالنسبة لحقوق المرأة، فقد ضمن الميثاق ذلك منذ المادة الثانية حيث ضمن الحقوق "دون تمييز خاصة إذا كان قائما على العنصر أو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأى السياسى أو أى رأي آخر، أو المنشأ الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أى وضع آخر". وفي المادة 18 شدد على ضرورة حماية الدولة للأسرة، كما ألزم الدولة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة " يتعين على الدولة القضاء على كل تمييز ضد المرأة وكفالة حقوقها..". تدابير الحماية وهو عنوان الجزء الثاني الذي ينقسم إلى عدة أبواب تشرح كيفية اتخاذ هذه التدابير من خلال لجنة متخصصة تمثل الدول الأعضاء وتنتخب سراً. ويفصل الجزء الثالث للأحكام الأخرى أو كافة أحكام عمل اللجنة والتواصل بين الدول. إن الجزء الثاني والثالث هما بمثابة النظام الداخلي لعمل اللجنة والأطر المنظمة لهذا العمل.


ب- إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام(17)
يتألف الإعلان من 25 مادة، وقد أقر من قبل مجلس وزراء الخارجية لدول منظمة مؤتمر العالم الإسلامي عام 1990. ويحاول هذا الإعلان أن يقدم قضايا حقوق الإنسان من خلال منظومة إسلامية توفيقية إلى أبعد الحدود.
ويقدم الإعلان من خلال المواد الخمس والعشرين تصوراً إسلامياً لحقوق الإنسان. يأتي وكأنه يحاكي قضايا الساعة, أو كأنه اتفاق بين عدد ذوي الاتجاهات الإسلامية، إذ أن القضايا متشعبة واللغة متنوعة في تركيباتها، ومصادرها الجغرافية. فلغة الحقوق تتحول إلى شكل من أشكال الكرامة الإنسانية، فالناس "متساوون في أصل الكرامة الإنسانية". وتخصص المادة الأولى والثانية، للخطاب حول الإنسانية، والحياة، وحق الحياة، وحماية الروح، وسلامة الجسد. أما المادة الثالثة فتنتقل مباشرة إلى الحديث عن حماية الأبرياء في المنازعات "كالنساء وكبار السن والأطفال". ثم تطرح المواد التي تليها حماية الأسرة والتمتع بالزواج دون قيود العرق واللون والجنسية، ولكن ليس الجنس/النوع.
المادة السادسة فقط تتحدث عن حقوق المرأة بصورة مباشرة، وفيها تقول "المرأة مساوية للرجل في الكرامة الإنسانية، ولها من الحق مثل ما عليها من الواجبات ولها شخصيتها المدنية وذمتها المالية المستقلة وحق الاحتفاظ باسمها، ونسبها. وعلى الرجل عبء الإنفاق علي الأسرة ومسئولية رعايتها". فالمرأة في هذه المادة متساوية في الكرامة وليس في الحقوق. أما الحقوق المنصوص عليها علناً فهي الحق في الدين، والحق في مواجهة الاستعمار، وحق العمل دون تمييز بين الذكر والأنثى، وحق الإنتاج العلمي والأدبي، وحق العيش في بيئة نظيفة. باختصار يشكل هذا الإعلان شكلاً أولياً لما يمكن أن تكون بدايات النقاش في قضايا الحقوق الإنسانية من وجهة نظر إسلامية، لكنه لا يخرج عن الإطار الشرعي والذي تؤكده المادة الأخيرة بالقول "الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة".
ويبقى السؤال حول الإعلان هل يمثل الخصوصية الإسلامية؟ أم يمثل التراضي الإسلامي؟ هل يعكس وجهة النظر الدينية في الحقوق؟ أم يعكس تطويع الحقوق للنص الديني؟ وهل هذا افضل ما يمكن أن يقدم الإسلام بالنسبة لحقوق الإنسان والمرأة؟ أم أن هذه القراءة هي ظرفية آنية؟ وهل يمكن أن نطور قراءة مستقبلية تقدمها النساء الفقيهات؟

جـ-الميثاق العربي لحقوق الإنسان(18)
بعد أن كان قد ولد في المرة الأولى، عام 1994 ميتاً، كما أجمع الكثيرون، وبعد التعديل عليه، استطاع أن يرى هذا الميثاق النور. وفي العموم، يبدو أن الأمة العربية هي أكثر الأمم خلافاً حول قضايا حقوق الإنسان. فبينما أتفق الأفارقة على ميثاق لحقوق الإنسان منذ مطلع الثمانينيات، وربطوه بالمواثيق العالمية، بقي العرب مختلفون إلى منتصف التسعينيات(19). وعندما نصوا ميثاقاً، لم يتفقوا عليه إلا في العام الماضي 2004. وهذا لا يعني أن العرب هم أقل توقاً للحريات وحقوق الإنسان، فقد كانت هناك العديد من المحاولات التي تنتهي في إدراج البيروقراطية العربية. كالميثاق العربي الذي أعده اتحاد الحقوقيين العرب عام 1979(20). فالميثاق العربي الأول خرج ضعيفاً جداً، وكان من الصعوبة بمكان التوصل إلى شكل توقع عليه كافة الدول العربية، مما احتاج لجهود دولية، ولجان وخبراء عالميين ومحليين من أجل تعديله والوصول إلى نسخة تسوية، فى العام 2004. وقراءة النسخة من المنظور الحقوقي العالمي تشير إلى أن وضع حقوق الإنسان في العالم العربي، لا يزال الأسوأ في العالم. وعلى الرغم من كون الدول العربية ليست الأكثر فقراً، أو تخلفاً اقتصاديا، إلا أنها الأفقر من ناحية احترام حقوق الإنسان عامة والمرأة خاصة. والميثاق العربي المعدل جداً، يعكس تلك الصورة. فرغم الانتقادات لصيغه الأولى التي جاءت أقل من المستوى المطلوب من ناحية التوافق مـع الخطاب الحقوقي(21)، إلا أن أفضل نسخة معدلة، والتي شارك في صياغتها أرقى الخبراء، لم تستند على كافة الشرع الحقوقية العالمية، وخاصة اتفاقية إلغاء التمييز ضد المرأة.
وينقسم الميثاق إلى ثلاثة أقسام رئيسية: يخص الأول الحقوق العامة والشئون السياسية، ويخص الثاني الحقوق والشئون المجتمعية، كالأسرة، والعمل، والحريات، والقسم الثالث والأخير حول المتابعة وإجراءات اللجنة المتابعة وكيفية عملها. الديباجة مطولة وتعكس الخصوصية الدينية للمجتمع العربي الإسلامي، وتؤكد على اعتمادها على ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين، لكنها لا تذكر على الإطلاق اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة. كما أنها لا تشير إلى حقوق المرأة في الديباجة على الإطلاق. وهذا ما لا نراه في أي من العهود الدولية أو الإقليمية الأخرى فيما عدا ميثاق القاهرة.


القسم الأول
الحقوق والشؤون العامة والسياسية

المادة الأولى والثانية مخصصة للهوية الوطنية وإعداد الأجيال، والمجتمع المدني المتضامن، والتأكيد على كون "حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة" (مادة 1)، وحق تقرير المصير، والتحرر من الأجنبي (2)، لكنها لا تلمح إلى حقوق المرأة إلا في المادة الثالثة حيث يأتي الحديث ضمن السياق العام للحقوق الذي تتعهد الدول الأطراف بأن تكفلها "دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو .." (3). وتضيف الفقرة الثالثة من نفس المادة "الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات في ظل التمييز الإيجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة. وتتعهد تبعا لذلك كل دولة طرف باتخاذ كل التدابير اللازمة لتأمين تكافؤ الفرص والمساواة الفعلية بين النساء والرجال في التمتع بجميع الحقوق الواردة في هذا الميثاق".
وهنا تبرز الإشكالية في عبارة التمييز الإيجابي، وكأن الميثاق يقر بالتمييز ضد المرأة باسم الشريعة. وهذه نقطة ضعف للميثاق: فعلى الرغم من الجهود الجبارة التي ساهمت في إيصاله إلى الشكل النهائي الذي هو عليه، إلا أنه أعاد المرأة العربية إلى القراءات الشرعية التي ستعيد خطاب حقوق المرأة إلى التأويلات والتفسيرات الشرعية. وفي التأويلات والتفسيرات الشرعية ندخل في قضايا المذاهب المتعددة، ويضيع المقصد الأساسي من خطاب الحقوق وكما أكدت عليه المادة الأولى من هذا الميثاق حين قالت "بأن جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة" (مادة1). وكأن المادة الثالثة تناقض المادة الأولى من الميثاق عندما ترضى بالتمييز الإيجابي. إن إشكالية التمييز الإيجابي تلك هي ما تحفظت عليه الدول العربية من اتفاقية "السيداو" أو إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وبينما بقيت مادة عقوبة الإعدام سارية، فقد استثنت المادة السابعة المرأة الحامل من تنفيذ "حكم الإعدام بحقها حتى تضع حملها أو على أم مرضع إلا بعد انقضاء عامين على تاريخ الولادة، وفي كل الأحوال تغلب مصلحة الرضيع".
المادة العاشرة تحرم الرق والمتاجرة "بالأفراد من اجل الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو أي شكل آخر أو استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة". وهنا تجدر الإشارة إلى الكم الكبير من الاتجار بالنساء والأطفال في الدول العربية بأشكال تشبه الرق. ويمكن اعتبار هذه المادة إضافة إيجابية للميثاق، شرط أن تطبق في الواقع، ولا تكون ستارة لممارسات كلامية.
المادة 24 تختص بالقضايا السياسية وحقوق المواطنين بممارسة السياسة العامة، وهنا أيضا لا توجد إشارة إلى المرأة. وإذا كانت المادة الثالثة من الميثاق تقول بضرورة "اتخاذ كل التدابير اللازمة لتأمين تكافؤ الفرص والمساواة الفعلية بين النساء والرجال في التمتع بجميع الحقوق الواردة في هذا الميثاق"، فهذا يعني أن الميثاق يؤكد المساواة حتى في الممارسة السياسية، وليس المشاركة السياسية في الحكم، وهذا يبقى كلاماً فضفاضاً ولا يمكن للنساء العربيات اللواتي لا زلن محرومات من حقوقهن السياسية في أجزاء من الوطن العربي الاستناد إلى الميثاق كعنوان للحقوق في وجه الدول الأطراف، كما يتم ذلك بالنسبة لشرعة حقوق الإنسان. وهنا يكمن الفرق الكبير بين نص الميثاق الذي جاء مراعياً للأنظمة العربية، ربما أكثر من مراعاته للشعوب العربية.
المادة 25-28 تدور حول الاقليات، التنقل عبر الحدود، اللجؤ السياسي.
المادة 29 وتتعلق بحقوق الجنسية، والتي يوجد خلاف كبير عليها، حيث إن الدول العربية لا تقر بحق المرأة بمنح الجنسية لطفلها، مثلها مثل الرجل. وهنا أيضا يقدم الميثاق وضعاً يفترض أن يكون متقدماً لكنه يأتي على حياء ويعطي كل دولة الحق بالتعامل مع هذا الشأن كما تريد. إذ تنص المادة "للدول الأطراف أن تتخذ الإجراءات التي تراها مناسبة وبما يتفق مع تشريعاتها الداخلية الخاصة بالجنسية في تمكين الأطفال من اكتساب جنسية الأم مع مراعاة مصلحة الطفل في كل الأحوال". ويبدو أن المادة متقدمة نسبياً في موضوع إسقاط الجنسية، إذ أنها تقر بضرورة عدم إسقاط الجنسية، رغم أن ذلك يمارس في العديد من الدول العربية على المرأة في حال تزوجت من جنسية أخرى. وهنا بطبيعة الحال يمكن تبرير ذلك بأنه إسقاط قانوني، ولكن هل يجوز مثل هذا التبرير من ناحية الحقوق المتساوية للمرأة والرجل؟
المادة 30 تتناول واحدة من أهم القضايا الحقوقية، وهي حرية الفكر والعقيدة، وتنهي بحق "الآباء أو الأوصياء حرية تأمين تربية أولادهم دينياً وخلقياً"، وهنا تثير عبارة آباء الكثير من التساؤل. فهل يعني أن هذا حق يعطى للأب وتحرم منه الأم وخاصة في حال الطلاق أو الفراق الأسري؟.
المادة 33 وتخص الأسرة. ويبدو أن تحديد الأسرة، وحقوق الأفراد فيها، والعنف وغير ذلك قد تركت أمور تحديدها للدول الغنية والقوانين السارية فيها. وهنا أيضا جرت مساومة، ضمنت في الحد الأدنى حقوق المرأة كما نصت عليها الشريعة الإسلامية، من حيث حقها في الرضا أثناء اختيار الزوج، "ولا ينعقد الزواج إلا برضا الطرفين رضاً كاملاً.." وكذلك حقها في المعاملة الحسنة، والحماية من العنف، والتنمية وغيرها من أسس "رعائية" للمرأة والأسرة، أكثر منها مسائل ضمان لحقوق متساوية للمرأة والرجل في شؤون الأسرة.
المادة 34 حول العمل وهي أيضا من المواد الهامة جداً بالنسبة لقضايا حقوق المرأة، خاصة وأنها ترتبط مباشرة بقضايا التمييز الحاصلة تاريخياً ضد المرأة في سوق العمل. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن المادة تؤكد على ضرورة عدم التمييز (ربما هنا يلتقي الميثاق مع اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) "أي نوع من أنواع التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الرأي السياسي أو الانتماء النقابي أو الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي أو الإعاقة أو أي موضع آخر". وتشير المادة إلى العديد من الشئون المتعلقة بحقوق العمل والراحة والإجازات، كما تؤكد على عدم التمييز"بين الرجل والمرأة في حق الاستفادة الفعلية من التدريب والتكوين والتشغيل وحماية العمل والأجور عند تساوي قيمة ونوعية العمل". وإذ لا تغفل المادة العمالة المهاجرة، إلا أنها تأتي أيضا ضعيفة إذ تركت للدول أن "تضمن الحماية الضرورية للعمال الوافدين إليها طبقاً للتشريعات النافذة".
المواد 35- 44 تتناول شئون تكوين الجمعيات، والنقابات، والتنمية والقضاء على الفقر، والصحة والحماية الصحية، والإعاقة وحماية المعوقين، وقضايا التعليم. وتقول الفقرة الثالثة من المادة 41" تتخذ الدول الأطرف في جميع الميادين كل التدابير المناسبة لتحقيق الشراكة بين الرجل والمرأة من أجل تحقيق أهداف التنمية الوطنية"، أما المادة 43 فتشير إلى ضرورة عدم الانتقاص من "الحقوق والحريات التي تحميها القوانين الداخلية للدول الأطراف أو القوانين المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها أو أقرتها بما فيها حقوق المرأة والطفل والأشخاص المنتمين إلى الأقليات". أما المواد 45 إلى 53 فتخص عملية المتابعة للميثاق وتطبيقه من خلال لجنة خاصة حددت هذه المواد أسلوب عملها، والأطر المحيطة بذلك.
ويبدو الميثاق أفضل من سابقه. لكن هذا لا يفترض أن يعني القبول بهذا الوضع وخاصة من منطلق حقوق المرأة العربية. فلا بد للميثاق عاجلاً أم آجلاً أن يتوافق مع الحقوق والشرع العالمية، وهذا يعني تعديله وخاصة فيما يتعلق بالمرأة.

هـ. التقييم العام للوضع الإقليمي، وحقوق المرأة
كما رأينا من القراءة للمواثيق الإقليمية، تاريخها، تطورها، ونشأتها، أن هناك ضعفاً بالنسبة لقضية المرأة والحقوق، وأن هذا الضعف يتعاظم في الخطاب الحقوقي كلما اتجهنا عربياً وإسلامياً، ويقوى كلما اتجهنا إفريقياً. هذا التراجع في خطاب الحقوق، لا يتناسب مع البعد التنموي للمرأة العربية المسلمة إذا ما قارناه عموماً بالمرأة في أفريقيا والتي هي أكثر فقراً. إن مثل هذا التراجع رغم الدفع العالمي له باتجاه الحد من التمييز ضد المرأة يطرح إشكالية تنعكس سلباً على العالم العربي. وتطرح التساؤل لماذا؟ لماذا يبقى النص الحقوقي العربي متخلفاً عنه في دول العالم الثالث الأخرى على أقل تقدير؟

أولا: السبب أيديولوجي وتحكمه الثقافة السائدة
السبب هو أيديولوجي أكثر منه سبباً اقتصاديا وتنموياً. إنه لا يرتبط بالبنية الاقتصادية الاجتماعية البطيئة النمو لدول العالم الثالث. فكل الدول الأخرى مثل العالم العربي، قد تحركت أسرع وأفضل بالنسبة لحقوق المرأة. ومما يؤكد هذا القول أن الميثاق العربي المعدل كان أكثر توافقاً مع الخطاب العالمي بالنسبة لحقوق المرأة عندما تناول شؤون العمل، والملكية، والتجارة، وكان أكثر تراجعاً وتحفظاً بالنسبة لمفهوم المساواة والحقوق الأخرى والتابعة للعلاقة المباشرة بين الرجل والمرأة، والقوامة، والأسرة، والجنسية، والوصاية على الأطفال وغير ذلك. وكل ذلك يؤكد أن التراجع يعود أكثر إلى الموقف الأيديولوجي الذكوري الذي تتبناه الأنظمة العربية والمبني أصلاً على فكر قبلي يؤكد سيطرة رأس القبيلة على السلطة داخل القبيلة، وإمداداتها في الأسرة، والسلطة السياسية وغير ذلك. ونرى ذلك جلياً من خلال تحفظات الدول العربية على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو). إن أكثر الدول تحفظت على المادة الثانية، وهذه المادة تشكل صميم الاتفاقية والتحفظ عليها كأنه تعطيل أو إلغاء للاتفاقية.
"ففي مقدمة الاتفاقية أن الدول التي تصادق عليها ملزمة ليس فقط بشجب جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وإنما باتخاذ الإجراءات المختلفة للقضاء على هذا التمييز، وأن عليها كذلك تجسيد مبدأ المساواة في دساتيرها الوطنية أو قوانينها الأخرى، وتبني التدابير التشريعية بما في ذلك الجزائية منها، والامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام، واتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة، والعمل على تغيير الأنظمة والأعراف والممارسات القائمة والتي تشكل تمييزا ضد المرأة."
كذلك تحفظت الدول العربية على المواد7، 9، 15، 16، 29. فالمادة السابعة التي تلزمهم بالقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسة والحياة العامة. وتحفظوا على المادة التاسعة التي تتناول قضية منح الجنسية للزوج أو الأطفال. وغيرها من البنود الأخرى التي لن ندخل في تفصيلها، إذ أنها بحثت ودرست ملياً في ندوة حقوق المرأة(22). كانت معظم الحجج المقدمة أن هذه البنود تتنافى مع الشريعة الإسلامية أو مع الأنظمة الداخلية. وهذا يؤكد طبيعة هذه الأنظمة المراوغة، العاملة ضمن أيديولوجية قبلية، ذكورية، لم تستطع الخروج من إطار مجتمع القبيلة، أو الزعيم، أو الجماعة الحزبية العصبوية والمنتمية إلى أسرة أو عائلة أو قبيلة. لقد أثبتت الدراسات العديدة والتي لا مجال لتفنيدها هنا كم أن الشريعة الإسلامية لا تميز نصاً أو روحاً ضد المرأة. وعلى العكس من ذلك إنها تؤكد مبدأ المساواة بين المرأة والرجل لو أردنا قراءتها بهذه الصورة(23). إلا أن التمييز بشكل أو بآخر يأتي من النظام السياسي والفكر الذي يعمل تحت لوائه.


ثانياً: السبب السياسي
تفتقر الدول العربية، كدول غير ديمقراطية بمعظمها، إلى الشرعية السياسية والدعم الشعبي، وهي باستمرار تطوع القضايا السياسية لمصالحها. فأحياناً تغلب أيديولوجية الداخل ومصالح بعض الفئات من أجل استمرارها في الحكم، وأحياناً أخرى تغيب الخارج. وقد لعبت الأنظمة بقضية المرأة كما لعبت بقضايا أخرى كثيرة. فأحياناً أعطت بعض الأنظمة الكثير من الحقوق للمرأة، كي ترضي الخارج، أو أطراف معينة في الداخل. وأحياناً وقفت مع الخارج ومع المطالب النسائية ضد الداخل الإسلامي. طبعا كل الدول العربية هي دول إسلامية، لكنها تتعامل مع قضية المرأة بشكل مختلف، وإن كانت جميعها تتذرع في النهاية بالشريعة. وكلما تغيرت سياساتها والأوضاع من حولها كانت المرأة وقضاياها من أوراق المساومة مع الأطراف المتعددة في لعبة التوازنات السياسية. ويبدو أن المرأة العربية تجد نفسها اليوم وسط أقوى موجة من تسليط الأضواء العالمية والمحلية. والتحدي اليوم أمام المرأة العربية والمسلمة هو أقوى من أي وقت مضى. إذ أن التيارات تتضارب من أمامها وخلفها وتحتها والمطلوب منها وضوح الرؤيا والموقف. فهي تسعى لتطوير أوضاعها، والحد من التمييز ضدها، لكنها لا تـود أن تكون أداة في يد الخارج، ولا تود أن تضيع فرصة الضغط على الداخل والنظام السياسي، الذي استخدمها في الماضي لمصالحه، ويطالبها اليوم بمبايعته باسم الوقوف ضد هيمنة الخارج. الرؤية ضبابية لكن المطلوب حركة نسائية قوية لتوضيح الرؤيا.

ثالثاً: السبب بنيوي ويتمثل في ضعف الحركة النسائية العربية
رغم كل التطور الذي حدث في العالم، حول حقوق المرأة، لا تزال الحركة النسائية الحقوقية العربية نخبوية، فردية، ومشتتة. قد نلحظ أنها قوية في بعض الدول العربية كالمغرب، وتونس، ولبنان، ومصر.. لكنها تبدو ضعيفة في دول أخرى. كذلك لا توجد حركة نسائية عربية موحدة لا عبر الحدود، ولا عبر التكنولوجيا الحديثة (الإنترنت).(24) والمشكلة الأكبر أنه لا توجد حركة نسائية تتفق على برنامج معين، كالعمل مثلا على تطبيق ونشر اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة. فقد تصلح هذه الاتفاقية كعنوان لمشروع عمل نسائي عربي، شامل. إلا أن هذا العمل لم يتبلور بعد، ولا زالت الحركة النسائية العربية، وحركة حقوق الإنسان، وحقوق المرأة نخبوية ومفتتة. ولأن الأمية في العالم العربي لا تزال أكثر انتشارا بين النساء (50%)، لذلك نجد أن النساء عموماً لا زلن أكثر من يقفن مع الفكر السلفي ويعادين الفكر المطالب بإحقاق حقوقهن. ولا سبيل للخروج من مثل هذه الأوضاع بغير تطوير خطاب الوعي بالحقوق والقوانين ضمن إطار الثقافة والهوية العربية التعددية، والإسلامية المستنيرة.

 

الانضمامات

تصديق الدول العربية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

الدولة

حالة الصك

تاريخ التوقيع

تاريخ التصديق/الانضمام

تاريخ الدخول حيز النفاذ

الأردن

تصديق

3/12/1980

1/7/1992

31/7/1992

الإمارات

 

 

 

 

البحرين

انضمام

 

18/6/2002

18/7/2002

تونس

تصديق

24/7/1980

20/9/1985

20/10/1985

الجزائر

انضمام

 

22/5/1996

21/6/1996

جيبوتي

انضمام

 

2/12/1998

1/1/1999

السعودية

تصديق

7/9/2000

7/9/2000

7/10/2000

السودان

 

 

 

 

سوريا

انضمام

 

28/3/2003

27/4/2003

الصومال

 

 

 

 

العراق

انضمام

 

13/8/1986

12/9/1986

عمان

 

 

 

 

فلسطين

 

 

 

 

قطر

 

 

 

 

الكويت

انضمام

 

2/9/1994

2/10/1994

لبنان

انضمام

 

21/4/1997

21/5/1997

ليبيا

انضمام

 

16/5/1989

15/6/1989

مصر

تصديق

16/7/1980

18/9/1981

18/10/1981

المغرب

انضمام

 

21/6/1993

21/7/1993

اليمن

انضمام

 

30/5/1984

29/6/1984


المصادر والهوامش :
(1) اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1948.
المصادر والهوامش : (1) اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1948.
(2) للمزيد من المراجعة حول خارطة أوضاع المرأة في العالم بصورة مبسطة، يمكن مراجعة التالي:
Women in the World An International Atlas, by Joni Seager and Ann Olson, Touch Stone Publication: New York. . ِAnd http://www.onlinewomeninpolitics.org/suffr_chrono.htm
(3) عرضتها الجمعية العامة للتوقيع والتصديق بقرارها 640 (د-7) المؤرخ في20 كانون الأول/ديسمبر 1952 تاريخ بدء النفاذ : 7 تموز / يوليو 1954 ، وفقا للمادة السادسة
(4) عرضت للتوقيع والتصديق بقرار الجمعية العامة 1040 (د-11) المؤرخ في 29 كانون الثاني/يناير 1957 تاريخ بدء النفاذ: 11آب/أغسطس 1958، طبقا" للمادة (6)
(5) اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2263 (د-22) المؤرخ في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1967
(6) اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3318 (د-29) المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1974
(7) اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون/ديسمبر1966 تاريخ بدء النفاذ: 23 آذار/مارس 1976، وفقا لأحكام المادة 49 (8) اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966 - تاريخ بدء النفاذ: 3 كانون الثاني/يناير 1976، وفقا للمادة 27
(9) الكويت هي الدولة الوحيدة بين دول الخليج العربي، المصادقة والمنضمة للعهدين.
(10) اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34 /180 المؤرخ في 18 كانون لأول/ديسمبر 1979 تاريخ بدء النفاذ : 3 أيلول/سبتمبر 1981، وفقا لأحكام المادة 27 (1)
(11) كانت المؤتمرات عبارة عن تظاهرات مجتمعية لكافة المؤسسات النسائية الفاعلة في العالم، كذلك كانت مناسبة لاستنهاض العمل النسوي الذي كان ناشطاً محلياً.
(12) على الرغم من أن البعض يرى أن بعض ممارسات اليوم قد تشبه ذلك.. لكن الحقيقة أن واقع بيع البشر علناً قد انتهى. ونأمل أن ينتهي عصر التمييز ضد المرأة علناً، وكذلك التمييز ضد الأجناس والأعراق.
(13) اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 4 الدورة الرابعة والخمسون بتاريخ 9 أكتوبر 1999 تاريخ بدء النفاذ 22 ديسمبر2000.
(14) تمت إجازته من قبل مجلس الرؤساء الأفارقة بدورته العادية رقم 18 في نيروبي (كينيا) يونيو 1981
(15) دليل إلى الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، منشورات منظمة العفو الدولية، 1991، ص.11.
(16) تم إجازته من قبل مجلس وزراء خارجية منظمة مؤتمر العالم الإسلامي ،القاهرة، 5 أغسطس 1990
(17) اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس23 مايو/ أيار 2004
(18) لقد أنشئت تنظيمات منذ السبعينات في بعض الدول العربية، وخاصة دول شمال أفريقيا. إلى أن الاتفاق على ميثاق عام كما فعل الأفارقة، بقي متعثراً.
(19) بهي الدين حسن، "الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان في العالم العربي" نحو تحديث الميثاق العربي أعمال الندوة العربية الخاصة بتحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان 21-22 ديسمبر 2002: مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، اليمن.
(20) في ظرف عالمي ينتقد العرب والمسلمين بعد أحداث سبتمبر.
(21) انظر أعمال الندوة الإقليمية حول سبل تفعيل اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، بيروت 26-27 يناير 2004، تحرير د. نيفين مسعد، مشورات المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
(22) للمزيد من المتابعة للفكرة انظر ندوة حقوق المرأة، ودليل تكريم النساء في النصوص المقدسة، من إعداد فريدة بناني وزينب معادي، ضمن مشروع إدارة الحكم في الدول العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ود. مية الرحبي "التحفظات السورية على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة" أمان شباط 3، 2005.
(23) هناك بعض المظاهر كآمان، أو كوثر، أو نون.


 
حقوق الطفل

أ.عصام علي

مقدمة

   بدأ الاهتمام بحقوق الطفل منذ فترة طويلة منذ عام 1919 حيث شكلت عصبة الأمم (لجنة خاصة برفاهية الطفل) كذلك نشأ في أوربا عدد من الهيئات غير الحكومية المهتمة بالطفولة من بينها (الاتحاد الدولي لإنقاذ الطفولة). وفي عام 1923 أقر الاتحاد ميثاقاً له يتكون من خمس نقاط، ثم تبنته عصبة الأمم وعرف من ذلك الوقت باسم (إعلان جنيف) وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة لاحقاً "يجسد التزام المجتمع الدولي نحو الطفولة".

   بعد صدور إعلان جنيف بـخمسة عشر عاما، صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948وهو يتكون من 30 مادة. وما ورد به عن الطفل جاء في مادتين فقط ومن ثم جاء الاهتمام بالطفل باهتا للغاية بدرجة لا تتناسب مع الاهتمام الذي كان المجتمع الدولي قد أولاه لحقوق الطفل قبل ذلك.

   ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الطفل سنة 1959 والمكون من عشرة مبادئ لينقل الحديث عن حقوق الطفل نقلة جديدة توائم التطورات التي حدثت في العالم في ذلك الوقت، إلا أن هذه الخطوات لم تكن تمثل التزاما قانونياً تجاه حماية الطفل.

   وحددت الأمم المتحدة عام 1979 عاماً للطفل فتقدمت بولنـدا باقتـراح لصيـاغة اتفاقية حول حقوق الطفل وتجسد هذا الحلم في 20 نوفمبر 1989 حين أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل بالصيغة المعروفة لدينا. وتتكون الاتفاقية من 54 مادة تقع فى ثلاثة أجزاء: يحدد الأول المبادئ والحقوق، ويحدد الثاني آليات المتابعة، ويحدد الثالث إجراءات التصديق والنفاذ.

   ودخلت الاتفاقية في حيز التنفيذ في وقت قصير 2 سبتمبر1990 حيث صدق عليها العدد المطلوب طبقاً للمادة 49 من الاتفاقية (عشرون تصديقاً). وبحلول عام 2005 صدقت علي الاتفاقية 192 دولة، أي جميع دول العالم باستثناء الصومال (لعدم وجود حكومة نتيجة الحرب الأهلية) والولايات المتحدة الأمريكية (ويرجع ذلك فى رأى الباحث إلى رفض الإدارة الأمريكية لأية التزامات جماعية قانونية من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى باعتباره يحد من قدرة هذه الإدارة على الانفراد بالقرارات وتشكيل العالم طبقا لرؤيتها).   

   ثم أضيف بروتوكولان اختياريان الأول بشأن إشراك الأطفال في الصراعات المسلحة ودخل حيز التنفيذ فى 12 فبراير 2002 والثانى حول استغلال الأطفال فى البغاء والمواد الإباحية والاتجار فى الأطفال ودخل حيز التنفيذ فى 18 يناير 2002.

تتميز اتفاقية حقوق الطفل بشكل عام بعدة نقاط أهمها:

* الاتفاقية هي أول وثيقة تجمع معا الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتعطى لهما نفس الوزن والأهمية.

* تتبنى الاتفاقية مبدأ التكامل والاتساق بين مختلف الحقوق، فدرجة استيعاب الطفل فى المدرسة تتأثر بصحته، والعكس فمستوى الرعاية الصحية والنظافة الشخصية تتحسن بالمستوى التعليمي. أى أنه لا يوجد تسلسل هرمى للحقوق طبقا لأهميتها.

* تروج الاتفاقية لروح الشراكة بين جميع من يعنيهم رفاه الأطفال على المستوى المحلى والقومي والدولي. فعلى الرغم من أن تطبيق الاتفاقية مسئولية الدولة بالدرجة الأولى لكنها تعطى دورا محددا للمنظمات غير الحكومية والمجتمع الدولي.

* أنها جاءت برؤية محددة ومتطورة لتنشئة الأطفال وأعادت الاعتبار إلى دور الأسرة "باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع أفرادها وخاصة الأطفال... وبأن الطفل، كي تترعرع شخصيته ترعرعاً كاملاً ومتناسقاً، ينبغي أن ينشأ في بيئة عائلية في جو من السعادة والمحبة والتفاهم." وقد جعلت هدف التنشئة هو "تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها" وشجعت الدول الأطراف على اعتماد القيم التالية كأساس للتنشئة:

- احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

- تنمية احترام ذوى الطفل وهويته الثقافية ولغته وقيمه الخاصة والقيم الوطنية.

- إعداد الطفل لحياة تستشعر المسئولية فى مجتمع حر بروح من التفاهم والسلم والتسامح والمساواة بين الجنسين والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات.

- تنمية احترام البيئة الطبيعية.

 مبادئ اتفاقية حقوق الطفل:

- عدم التمييز: مادة (2):

   الأطفال - كل الأطفال - لهم نفس الحقوق الواردة في الاتفاقية، وهذا يعني الحاجة إلى جمع معلومات مصنفة بالسن والنوع والإقليم والظروف الأسرية....الخ وليس فقط بيانات عامة مجملة.   ولا يسرى عدم التمييز فقط على الطفل وأسرته بشكل مباشر وإنما على كل ما يؤثر عليه كتوزيع الموارد والخدمات جغرافيا.

   وهذا يعنى عمليا أن ما سيوجه إلى الأطفال ذوى الظروف الصعبة سيكون أضعاف ما سيوجه إلى باقي الأطفال في المجتمع، فمثلا تكلفة إتاحة مكان في التعليم لطفل فقير أو طفل معوق أعلى من تكلفة إتاحة نفس الفرصة لطفل من طبقة متوسطة، فالحالة الأولي تستوجب دعم أسرة هذا الطفل الفقير كإلغاء المصاريف المدرسية أو تقديم إعانة لتغطية نفقات التعليم. وتوفير الحد الأدنى الجوهري للرعاية الصحية مثلاً يجب أن يشمل كل طفل داخل المدرسة/خارج المدرسة، معاق /سليم مع إدراكنا الكامل أن تكلفة هذا الحد الأدنى تختلف بالتأكيد من فئة لأخرى، لكنها يجب أن تكون كذلك ليتم تعويض الماضي المؤلم من التمييز ضد فئات واسعة من الأطفال وتخفيف آثار الحرمان الشديد من أبسط الاحتياجات ناهيك عن أبسط الحقوق. وهو يعنى أيضا المزيد من الدعم للبنات والفتيات عند وجود فجوة بين الأولاد والبنات.

- مصالح الطفل الفضلى: مادة (3)

بنيت الاتفاقية على تصور أساسي أن الأطفال لهم نفس قيمة الراشدين ومساوون لهم وأن مرحلة الطفولة هامة في حد ذاتها (لذا كان التأكيد على حق اللعب على سبيل المثال) وأن سنوات الطفولة ليست مجرد تدريب على الحياة كراشد.

لكن الأطفال خاصة صغار السن هم فئة مستضعفة تحتاج إلى دعم خاص كي تستمتع بحقوقها بشكل كامل، فكيف يمكن أن نضمن للأطفال حقوقهم وفي نفس الوقت الحماية الضرورية ؟ ذلك ما يسميه توماس هامربرج "دراما الاتفاقية" والحل يكمن في مبدأ مصالح الطفل الفضلى. ومبدأ مصالح الطفل الفضلى يراعى عند وضع السياسات العامة للدولة التي تؤثر على الأطفال.

 - المشاركة بالرأي في كل الأمور التي تمسهم: مادة (12)

   من أجل إعمال مبدأ مصالح الطفل الفضلى، فإنه يصبح من المنطقي بل ومن الضروري الاستماع لآراء الأطفال ووجهات نظرهم والتعامل معها بشكل جاد (وفقاً لسن الطفل ونضجه).

 - كفالة بقاء الطفل ونموه إلى أقصى حد ممكن: مادة (6)

تصنيف حقوق الطفل:

   يمكن تصنيف الحقوق في خمس فئات، تشترك كل منها في وحدة الهدف أو تكامل الأهداف:

1- الحقوق المدنية/الشخصية مثل الحق فى الاسم، والجنسية.

2- الحقوق المعنية بالاستبقاء على الحياة والصحة مثل الوقاية من الأمراض، والعلاج، والتغذية الصحية، والإصحاح البيئي.

3- تنمية قدرات الطفل وتشمل التنشئة الاجتماعية، التعليم، الثقافة، الإعلام، الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية.

4- الحقوق المعنية بحماية الطفل من الأضرار، والإساءة، والاستغلال.

5- الحقوق المعنية بالمشاركة ومنها حق الطفل فى التعبير عن آرائه، والاستماع إليها في الإجراءات التي تتعلق به. ولنتحدث بتفصيل أكثر عن هذه الفئة من الحقوق لأنها تبلورت بشكل متكامل فى هذه الاتفاقية لأول مرة.

 

   لماذا يجب أن يشارك الأطفال والشباب؟ توجهنا بهذا السؤال لعدد كبير من الأطفال فى مناسبات مختلفة ومن مستويات تعليمية واقتصادية مختلفة، ويمكن أن نجمل الإجابات كالآتي (وهو ما ينسجم مع استجابات أطفال آخرين من دول مختلفة):

* لأنهم الفئات المستهدفة من مشاريع الطفولة والشباب وبالتالي هم شريك أساسي وأصلى.

* الأطفال ليسوا فقط مشكلة، لكنهم أيضاً جزء من الحل.

* يمكنهم مساعدة الحكومات على فهم المشاكل بشكل أفضل فالأطفال هم الخبراء الحقيقيين فى موضوعات الطفولة.

* الأطفال ليسوا مجموعات متجانسة وبالتالي على الحكومات الاستماع للفئات المختلفة منهم.

* من حقهم المشاركة فى القرارات التي تمسهم.

* المساعدة فى بناء الديموقراطية فى مجتمعاتهم المحلية والوطنية.

 العوامل المؤثرة فى مشاركة الأطفال :

1- التطور الانفعالي الاجتماعي للطفل.

2- الوضعية الاقتصادية الاجتماعية للطفل وأسرته، حيث تتضاءل فرص المشاركة للفئات المهمشة والأكثر فقراً، وبالتالي يجب مضاعفة الجهود لتحرير أصوات الأطفال الفقراء وإيصال هذه الأصوات لصانعي القرار.

3- الأدوار الاجتماعية للرجل والمرأة فى المجتمع، حيث وضع الإناث أضعف وأصعب كثيراً من وضع الذكور فى المجتمعات العربية خاصة فى اتخاذ القرارات مما يتطلب أساليب   مبتكرة ومثابرة لتغيير النمط الاجتماعي السائد تجاه الفتيات حتى يتمكنّ من المشاركة.

4- وضعية المواطن فى المجتمع، فالمشاركة مرتبطة بالديمقراطية. وقد وصف د.أحمد عبد الله هذه العلاقة بأنها علاقة نطاق: "فالديمقراطية تفتح الباب للمشاركة ولكن لا تضمن المشاركة (الفعلية). فالديمقراطية إذن شرط ضروري لكنه شرط غير وحيد للمشاركة". كما أن الأطفال والشباب عادة خارج "الأجندة" السياسية لصناع القرار لانعدام فرصهم لممارسة الحقوق السياسية والانتخابية بشكل مباشر، هذا إذا وجد نظام انتخابي أصلاً.

5- الثقافة السائدة فى المجتمع، بدءاً من المفاهيم الشائعة عن عجز الطفل وتجاهل قدراته إلى سيادة النمط التسلطي فى التنشئة الاجتماعية فى المجتمعات العربية، مع غلبة التوجه السلبي وعدم المبالاة وضعف روح المبادرة والتحدي لدى فئات واسعة فى المجتمعات.

 مبادئ الممارسة الديموقراطية للأطفال والشباب:

أن يفهم الأطفال المشروع وما هو دورهم فيه

* علاقات القوى وآليات اتخاذ القرار يجب أن تكون واضحة.

* الأطفال يجب أن يشاركوا فى بداية التخطيط لأي مبادرة.

* الانتظام فى مجموعات لها قواعد وذات أدوار واضحة.

* وضع قواعد للعمل من البداية باشتراك الأطفال

* المساواة الكاملة بين الأطفال.

* احترم آراء الأطفال وخبراتهم.

* وجود مؤسسات ذات بنية تنظيمية يعملون من خلالها.

* بيئة داعمة للأطفال والشباب من الكبار.

   نماذج لآليات المشاركة : لقاء تشاوري، المشاركة فى المؤتمرات، حوار مع المسئولين، اتحادات طلابية\ شبابية،  نوادي الأطفال والشباب، برلمان الأطفال، وسائل إعلام (مطبوعة، مسموعة، مرئية، إلكترونية) ينتجها الأطفال.

 تطبيق الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل:

مقاربة الحقوق Rights Based Approach

عناصر الحق هى:

1- شخص الحق Rgihts Holder

2- مسئول عن الحق Duty bearer

3- موضوع الحق

ويمكن تحليل الالتزامات المترتبة على الحقوق فى إطار ثلاثة واجبات:

  • واجب احترام الحق: يتطلب ألا ينقض أو يحد المسئول عن الحق التمتع بأى حق من الحقوق بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • واجب حماية الحق: يتطلب أن يتخذ المسئول عن الحق الإجراءات والتدابير اللازمة لمنع طرف ثالث من الإساءة لحق ما.
  • واجب إنجاز الحق: يتطلب أن يتبنى المسئول عن الحق التدابير التشريعية والإدارية وغيرها من التدابير المناسبة لإعمال هذه الحقوق.

 محددات أساسية لتطبيق الحقوق:

* تنطلق هذه الدراسة من رؤية متكاملة شاملة للحقوق Interdependence of Right، ترى أنها كل متناسق متفاعل وبالتالي فانتقاص حق من الحقوق يؤثر على الحقوق الأخرى فالتطعيمات في بيئة غير نظيفة تلقى بظلال من الشك حول تحقق الهدف من التطعيمات وهو الحد من وفيات الأطفال وتمتعهم بصحة جيدة.

* إننا نؤمن أن المؤشرات الكمية وحدها لا تعطى صورة حقيقية للحقوق فمعدلات الالتحاق بالتعليم وحدها لا تعنى كفالة الحق بل لا بد من البحث عن مؤشرات لنوعية التعليم ولفرص المشاركة المتاحة في العملية التعليمية وكذلك لتحقق مبدأ عدم التمييز وتكافؤ الفرص.

* إن وجود نص قانوني يقرر الحق يشكل إطاراً جيداً للمطالبة بالحق لكنه لا يضمن في حد ذاته كفالة هذا الحق وليست المسألة بالبساطة التي تجعلنا نقول إنها مشكلة تطبيق القانون بل هناك عوامل عدة تتفاعل بشكل مختلف باختلاف مجال الحق.

* إن مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الأطفال هو فى صلب عملية التطبيق وإن وصول حق ما إلى أغلبية الأطفال هو إنجاز منقوص، وما ينبغي أن يقلقنا هو لماذا لم نكفل هذا الحق لهذه النسبة البسيطة؟

* إن مشاركة وتمكين أصحاب الحق وهم الأطفال Participation & Empowerment هـي الضمـان الحقيقي لاستمرارية التمتع بالحق.

* أن نسعى للتعامل مع الأسباب الجذرية للمشكلات وليس فقط علاج الظواهر. مما يستوجب النظر إلى التداخلات بين القطاعات المختلفة. فلا نستطيع مثلا النظر فى مسألة عمل الأطفال إلا فى إطار مشكلات التعليم والمستوى المعيشي غير الملائم للطفل..الخ.  

* الموارد المتاحة (مادة 4): "وفيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تتخذ الدول الأطراف هذه التدابير إلى أقصى حدود مواردها المتاحة، وحيثما يلزم في إطار التعاون الدولي" Progressive Realization of Right ولا يعتبر هذا النص عذرا للدول الفقيرة لعدم الوفاء بالتزاماتها، إذ أن هناك عدة عوامل تحدد استخدام الموارد: نوعية الموارد: مالية - مادية - بشرية - تنظيمية، من يتحكم في الموارد؟، كيفية توزيع الموارد: لمصلحة من؟. لقد أظهرت دراسة لليونيسيف تحسن المؤشرات الاجتماعية فى بعض بلدان العالم على الرغم من ضعف النمو الاقتصادي.

* إن الاتفاقية تتكامل مع اتفاقيات أخرى كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية رقم 182 لمنظمة العمل الدولية بشأن القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال وإعلان اليونسكو التعليم للجميع.

   كل هذا يعنى بشكل عملي وعلى مستوى البرامج الآتي:

* كرامة الأطفال يجب أن تحمى فى كل الأوقات والظروف

* أن الأطفال قادرون على المشاركة الفعلية فى القرارات التى تؤثر فى حياتهم

* أن الأطفال لديـهم القوة والقدرة على المحاسبة

والمساءلة عند حدوث انتهاك لحقوقهم

* الاعتراف بحق الأطفال فى العمل على تغيير ظروفهم بما يتضمنه ذلك من حرية التفكير والعمل

 آليات متابعة التزامات الدول المصدقة على الاتفاقية:

   لجنة خبراء مستقلين ترشحهم الدول الأطراف وتنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة لمدة أربع سنوات. كانت المادة 43 تنص على أن عدد أعضاء اللجنة هم عشرة ونظراً للزيادة غير المتوقعة فى عدد الدول المصدقة، فقد قررت الجمعية العامة زيادة عدد الأعضاء إلى 18 عضواً. ويوجد باللجنة الآن ثلاثة أعضاء من دول عربية هم: السفيرة مشيرة خطاب – مصر، الدكتور/حاتم قطران – تونس، السيدة/غالية بن حمد آل ثان – قطر.

   تعقد اللجنة ثلاث دورات سنوية إلى جانب الدورات التمهيدية. وتتلخص مهام اللجنة فى تلقى تقارير الدول الأطراف عن التدابير المتخذة لإنفاذ الاتفاقية في غضون سنتين من بدء نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدولة الطرف وبعد ذلك مرة كل خمس سنوات (المادة 44). كما تصدر ملاحظات عامة بشأن مواضيع تتعلق بتفسير الاتفاقية أو تشكل أهمية خاصة فى تطبيق الاتفاقية.

 

تقييم أداء الدول العربية في مجال حقوق الطفل:

    تظهر الملاحظات الختامية للجنة الدولية لحقوق الطفل على التقارير الدورية لسبع عشرة دولة هى : الجزائر، البحرين، مصر، الإمارات، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، ليبيا، المغرب، عمان، قطر، السعودية، السودان، سوريا، تونس، اليمن.

 أهم الجوانب الإيجابية:

* نص بعض الدساتير صراحة على عدم انطباق أية أحكام تتعارض مع المعاهدات الدولية تكون الدولة طرفا فيها.

* تعديل عدد من القوانين انسجاما مع مقتضيات الاتفاقية.

* تصديق أغلب الدول المعنية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية رقم 138 لمنظمة العمل الدولية بشأن السن الأدنى للالتحاق بالعمل والاتفاقية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.

* تصديق عدد من الدول المعنية على البروتوكولين الاختياريين الملحقين باتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وبيع الأطفال، واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية، وكذلك الاتفاقية رقم 182 لمنظمة العمل الدولية بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.

* إنشاء مؤسسات جديدة تعنى بقضايا الأطفال.

* تشكيل لجان/مجالس وطنية عليا للتنسيق في شؤون الطفولة.

* إشادة ببعض التجارب بخصوص إحداث مندوب حماية الطفولة و برلمان للأطفال فى بعض الدول.

 الجوانب الباعثة على القلق لدى اللجنة:

* تأكيد الحاجة إلى نظم لجمع المعلومات المفصلة لكل من تحت سن 18 فى كل المجالات التي تغطيها الاتفاقية، بما فيها المجموعات الأكثر ضعفا (مثل بدون جنسية، الأطفال الذين يعيشون فى مناطق نائية، الأطفال ذوى الإعاقة، الأطفال من الأسر المحرومة اقتصاديا...الخ) وهذه المعلومات تستخدم فى تقدير التقدم وتصميم سياسات لتطبيق الاتفاقية.

* تشجع اللجنة الدول الأطراف على إنشاء مؤسسة قومية مستقلة لحقوق الإنسان بما يتوافق مع مبادئ باريس (قرار الجمعية العامة48/134) لرصد وتقييم التقدم فى تطبيق الاتفاقية على المستوى القومي وعلى المستويات المحلية. مع ضرورة تقوية هذه المؤسسة بحيث تكون قادرة على استقبال الشكاوى فى انتهاكات حقوق الطفل والتحقيق فيها واتخاذ الإجراء الفعال للتعامل معها.

* تجد اللجنة أن التمييز ضد الفتيات والأطفال المولودين خارج نطاق الزواج يخالف المادة 2.

* هناك فجوة فى التمتع بالحقوق بين المناطق المختلفة وبين مجتمعات المدن و الريف.

* قصور المعلومات المتاحة عن صحة المراهق مثل إتاحة خدمات الصحة الإنجابية والخدمات الاستشارية للصحة العقلية.

* تعرب اللجنة عن قلقها للانتشار الواسع لحوادث المرور التى تهدد حياة الأطفال.

* تهتم اللجنة بالحالة السيئة للأطفال ذوى الإعاقات، خاصةً وأن نسبة ضئيلة جداً هي التى تتلقى الخدمات المتخصصة (مصر و الأردن).

* تعرب اللجنة عن قلقها بأن سن المسئولية الجنائية من 7 سنوات سن منخفض جداً (مصر، البحرين، الأردن، الكويت، اليمن، لبنان، ليبيا، السودان فى حين أن أقطار أخرى لم تحدد سن المسئولية الجنائية مثل عمان، قطر، المملكة السعودية)

* عدم فصل الأحداث عن البالغين خاصة الفتيات مما يتعارض مع القانون وأن الأحداث يتم حبسهم غالباً فى سجون البالغين. و ضعف برامج إعادة التأهيل و الاندماج الخاصة بالأحداث.

* مراجعة وإصلاح كل التشريعات الحالية لضمان أن نظام القضاء الجنائي يتضمن بشكل كامل وتطبق النصوص الخاصة بالاتفاقية وتحديدا البند 37 و40 و39، كذلك مع المعايير الدولية ذات الصلة: قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شئون قضاء الأحداث (قواعد بكين) ومبادئ الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث (مبادئ الرياض التوجيهية) وقواعد الأمم المتحدة التوجيهية بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم ودليل فيينا الخطوات المتعلقة بالأطفال فى القانون الجنائي.

* تهتم اللجنة بأن قانون العمل لا يقدم أي حماية للأطفال العاملين فى مشروعات عائلية وأنشطة زراعية وخدم المنازل، وكذلك القطاع غير الرسمي، الذي يدخل في حالات كثيرة ضمن أسوأ أشكال العمل (الأردن ومصر).

* تعرب اللجنة عن قلقها لعدم كفاية المعلومات وقصور الوعي بظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال. وغياب التوجه المتكامل للوقاية ومحاربته.

* تعرب اللجنة عن قلقها لقصور الوعي ولنقص المعلومات عن العنف المنزلي والسلوكيات الخاطئة والإساءة بما فيها الإساءة الجنسية، داخل وخارج الأسرة، وفى ظل قصور الإجراءات القانونية للحماية وأيضاً نقص الأعداد المناسبة من الأفراد المدربين.

* استمرار ممارسة ختان الإناث بشكل واسع، علـى الرغم من الجهود الضخمة المبذولة (مصر

واليمن و السودان)

 الجلسة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة حول الأطفال:

   فى محاولة لدعم حماية ورفاه الأطفال فى العالم عقدت القمة العالمية حول الأطفال بنيويورك عام 1990 وخرجت بخطة عمل لمدة 10 سنوات ولأن هذه القمة جاءت بعد إقرار الاتفاقية ودخولها حيز التنفيذ بوقت قصير (عدة أشهر) فجاءت خطة العمل مركزة بشكل أساسي حول ضمان حماية ورفاه الطفل أكثر منها لتطبيق بنود الاتفاقية، بل أصبح تشجيع الدول للتصديق على الاتفاقية هو أحد أهداف الخطة.

   وعلى الرغم من محاولة العديد من الدول تطبيق أهداف الخطة لكن ما أنجز لم يحقق طموحات العالم كما أن الأطفال واجهوا خلال التسعينات مشكلات أخرى لم تكن واردة بهذه الحدة عام 1990 مثل دخول الأطفال كجنود فى الصراعات المسلحة بشكل غير مسبوق وتأثر العديد من الأطفال بانتشار فيروس نقص المناعة (الإيدز) سواء كمصابين بهذا المرض أو كأيتام بعد وفاة أسرهم نتيجة المرض. وقررت الأمم المتحدة عقد جلسة خاصة للجمعية العامة حول الأطفال لمراجعة التقدم نحو أهداف خطة عام 1990 والاتفاق على خطة عمل جديدة تحت عنوان "عالم جدير بالأطفال".

   وجاءت فترة الإعداد للجلسة الخاصة للجمعية العامة حول الأطفال منذ عام 2000 إلى عام 2002 ثرية للغاية وبمشاركة فعالة من الجمعيات الأهلية ومن الأطفال أنفسهم وبينما دفعت المنظمات غير الحكومية وكذلك الأطفال فى اتجاه التطبيق الكامل للاتفاقية، حاولت بعض الدول العودة إلى الوراء والتركيز على استراتيجيات البقاء وتقديم الخدمات.

 تقييم أداء الدول العربية لأهداف القمة العالمية من أجل الطفل (الأطفال أولاً):

* انخفاض معدل وفيات الأطفال بأعلى سرعة انخفاض

* انخفاض وفيات الأمهات

* توفر المياه والصرف الصحى

* جودة التعليم مشكلة كبيرة

* انتشار الإيدز

* قصور التعليم فى مرحلة الطفولة المبكرة

* التفاوت الشديد بين الدول خاصة فى دخل الأسرة والمؤشرات الصحية (انظر المرفق (أ))

* الظاهرة العراقية مهمة جدا: تحققت نجاحات جيدة جدا ثم جاءت الحرب وظروف الحصار الاقتصادى فتدهورت المؤشرات بشكل حاد وصارت أقرب من اليمن التى تعد ضمن دول العالم الأكثر فقراً و الأقل نمواً.

   وتتمثل أهم الدروس المستفادة من خطة "الأطفال أولا" كما رصدها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة "نحن الأطفال: الوفاء بوعود القمة العالمية من أجل الأطفال" فى الآتى 

* الأدلة من التسعينيات تثبت أن النمو الصحي للأطفال وتعليمهم يلعبان دورا حيويا فى التقدم الاقتصادي وكذلك فى كسر حلقة الفقر التي تنتقل من جيل لآخر.

* من الممكن حدوث تقدم ضخم خلال جيل واحد، إذا توافرت الإرادة السياسية لإعادة توزيع الموارد نحو الاحتياجات الأساسية للأطفال.

* خلال التسعينيات، قادت سياسات الإصلاح الاقتصادي فى بعض البلدان إلى تحصيل رسوم للتعليم الأساسي الذي كان مجانياً، وهذا يتناقض بشكل مباشر مع الالتزام بتعليم ابتدائي إلزامي ومجاني الوارد فى اتفاقية حقوق الطفل.

* على قادة الدول، التصرف بناء على أهم الدروس المستفادة من العقد السابق وهو أن الاستثمار فى الأطفال منذ سنواتهم المبكرة هو الوسيلة الفضلى للتنمية طويلة المدى، وليس عملا خيرياً أو تبذيراً و إهداراً.

 تحديات تطبيق حقوق الطفل فى العالم العربي:

* يذكر تقرير وضع الأطفال فى العالم - يونسيف 1999" إن التعليم هو جوهر التنمية البشرية وبدون التعليم لا يمكن توسيع قاعدة التنمية ولا ضمان استمراريتها". لذا فإننا نركز على مشكلات التعليم كما رصدها تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003: "فمازال التوسع الكمي فى التعليم منقوصاً بسبب ارتفاع معدلات الأمية، خاصة فى بعض البلدان العربية الأقل تطوراً و بين الإناث، واستمرار حرمان بعض الأطفال من حقهم فى التعليم الأساسي، وتدنى نسب الالتحاق بالمراحل الأعلى من التعليم النظامي مقارنة بالدول المتقدمة، وتناقص الإنفاق على التعليم خاصة منذ عام 1985. غير أن أخطر مشكلات التعليم فى البلدان العربية تتمثل فى تردى نوعية التعليم.”..."بشكل عام، إن المناهج فى البلدان النامية، بدءاً من المرحلة الابتدائية، أو حتى ما قبلها، تبدو تجسيدا لمفهوم يعتبر عملية التعليم كما لو أنها عملية إنتاج صناعي تلعب فيها المناهج وتفريعاتها و المضامين المشتقة منها دور القوالب المفترض أن تصب فيها عقول الناشئة." ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك ولكن بشكل متحفظ وعلى لسان بعض الباحثين "إن المناهج الدراسية العربية تبدو وكأنها تكرس الخضوع والطاعة والتبعية، ولا تشجع التفكير النقدي الحر، فمحتوى المناهج يتجنب تحفيز التلاميذ على نقد المسلمات الاجتماعية أو السياسية، ويقتل فيهم النزعة الاستقلالية والإبداع (منير بشور، ورقة خلفية للتقرير".

* مشكلات تتعلق بالرؤية و السياسات كعدم تبنى التوجه والخطاب الحقوقي وضعف الاستراتيجيات الوقائية في مجالات الحماية و غياب التعامل مع الأسباب الجذرية للمشكلات كخطط محددة لمكافحة الفقر مثلاً.

* ضعف الأطر المؤسسية لتطبيق حقوق الطفل مشكلة تعوق التقدم فى التطبيق حيث تتوزع المسئوليات. فى بعض المجالات كالتعليم والصحة لدينا فى كل الدول العربية وزارات تتولى هذه المسئولية. وفى مجالات الحماية توزعت المسئوليات بشكل عشوائي وغير منطقي ما بين الشرطة ووزارات التنمية الاجتماعية والقوى العاملة على سبيل المثال. بالتوازي مع القصور فى التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية المختلفة.  والملاحظ فى مجالات التعليم والصحة فى معظم الدول العربية هو ضعف أو فقر نوعية الخدمات وفى عدد محدود من الدول العربية الأشد فقراً كاليمن مازالت إتاحة التعليم والصحة هي المشكلة.

* غياب منظور الأطفال فى الحوار حول الإصلاح الديموقراطي السياسي – بعد تجاهل الأطفال فى سياسات الإصلاح الهيكلي الاقتصادي فى العقدين السابقين مما كان له أثر كبير على الأطفال والنساء بشكل خاص واتسعت الفئات الأكثر فقراً فى المجتمع وتساقطت الأسر تحت وطأة الإصلاحات الهيكلية فى ظل غياب آلية منظمة لضمان الاحتياجات الأساسية للبقاء وانتشرت ظاهرة النساء الفقيرات المعيلات لأسرهن وتضخمت ظاهرة عمل الأطفال (13 مليون طفل عربي عامل، ثلثي هؤلاء الأطفال فى قطاع الزراعة)، وتجسد المادة (32) من الاتفاقية الموقف من عمل الأطفال: وهو أي عمل يرجح أن يكون خطيراً (وقد فصلت اتفاقية منظمة العمل الدولية 182 الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال أوجه الخطر، بما يشكل نموذج اتفاقية حقوق الطفل مع الاتفاقيات الأخرى)، يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدنى أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي) ونمت بشكل سريع ظاهرة أطفال الشوارع.

* خلق نماذج موازية محدودة الانتشار باهظة التكاليف فى مجالات محددة كمشاركة وتمكين الأطفال والشباب وخاصة الفتيات دون محاولة حقيقية لدمجها فى الأطر الرئيسية الموجودة، يثير عدة تساؤلات: هل هى محاولة للمواءمة بين مقتضيات الاتفاقية وعدم قناعتنا بهذه المجالات؟ ولماذا نرى حدوداً وخطوطاً حمراء للتمتع بحق المشاركة دون باقي الحقوق؟ وما علاقة ذلك بمحاولات تحجيم التطور الديمقراطي فى البلدان العربية؟

* الصمت تجـاه انتشار العنف والإسـاءة بكافة الأشكال ضد الأطفال، بل و تبنى الضرب كأحد وسائل تنشئة الأطفال فى البيت والمدرسة والمجتمع. فالبيانات شديدة القصور، و القوانين لا تحمى، إذا وجدت، وعدم وجود برامج تأهيل للأطفال الضحايا. وكيف يمكننا قبول اشتراك الأطفال فى سباقات الهجن فى بعض البلدان وما يرتبط بها من تهريب واتجار بالأطفال؟ كلها قضايا نأمل أن تكون دراسة الأمم المتحدة للعنف ضد الأطفال و اللقاء التشاوري لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يعقد بالقاهرة فى يونيو 2005 فى إطار هذه الدراسة، نأمل أن يكسر حاجز الصمت وأن يضع قضايا العنف ضد الأطفال على أجندة الحكومات والجمعيات الأهلية معاً.    

 خاتمة:

تجنبت هذه الدراسة شكل الرصد التقليدي لمؤشرات وبيانات كمية على الرغم من أهميتها (انظر جدول المؤشرات الرئيسية المرفق (ب) نظراً لتوفرها فى وسائط عدة مطبوعة والكترونية. وحرصنا على تقديم اتفاقية حقوق الطفل فى الإطار العربي بشكل يثير المشكلات العامة وعلاقتها بقضايا عامة وليس فقط قضايا الطفولة، فقضايا التنمية والعدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية مترابطة.

المصادر والمراجع

أولا: المراجع العربية

- اتفاقية حقوق الطفل، الأمم المتحدة- 1989

- د. أحمد عبد الله : حقوق الإنسان.. حقوق المشاركة وواجب الحوار- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 1996

- بهى الدين حسن : حقوق الطفل في إطار حقوق الإنسان : هل الاستراتيجيات واحدة. فصل في كتاب "إشكاليات تطبيق حقوق الطفل في الواقع المصري" – أميدإيست وتجمع الهيئات غير الحكومية المعنية بحقوق الطفل- 1999.

- تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 : نحو مجتمع المعرفة. البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة- المكتب الإقليمي للدول العربية. 2003

- سوزان فونتين : إنه حق لهم : يونيسيف – رادابارنين – اليمن 1995

لجنة حقوق الطفل – مبادئ توجيهية عامة تتعلق بشكل ومضمون التقارير الدورية. الدورة 13 – جلسة 343 في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1996

- ليز بيت بالمي : لا عمر للبراءة: محاكم الأطفال. مسيرة الأمم . يونيسيف 1997

د. عادل عازر : حماية الأطفال المعرضين للخطر: قراءة في توجهات السياسة الاجتماعية في مجال الأحداث. دراسة غير منشورة – يونيسيف – مصر – 1995.

- د. عادل عازر : اتفاقية حقوق الطفل وحقوق الإنسان : مدى الاتصال والاختلاف والتفاعل – فصل في كتاب "إشكاليات تطبيق حقوق الطفل في الواقع المصري" – أميدإيست وتجمع حقوق الطفل – 1999

- عصام على : مشاركة الأطفال، لماذا.. كيف.. وما تثيره من مشكلات- فصل في كتاب "إشكاليات تطبيق حقوق الطفل في الواقع المصري" – أميدإيست وتجمع حقوق الطفل – 1999.

ثانياً : المراجع الأجنبية :

- A World Fit for Children, adopted by the UN General Assembly at the twenty-seventh Special Session, 10 May 2002.

- Annan, Kofi A. We the Children: Meeting the Promises of the World Summit for Children, United Nations, New York, September 2001

- Azer, A. and El Adawy, M. Towards the Implementation of the Convention of the Rights of the Child in Egypt, UNICEF, 1996

- Child Rights Programming: how to apply rights-based approaches in programming, Save the    Children, Sweden. 2002.

- Committee on the Rights of the Child, Concluding Observation on the Periodic Reports. Website of the Office of the High Commissioner for Human Rights: www.ohchr.org

  

- De Vylder, Stefan. Development Strategies: Macroeconomic Polices and the Rights of the Child. Radda Barnen. Sweden, 1996

- Ewert, Lowell. report to assist PPIC-Work project proponents conceptualize a rights-based approach to its work in Egypt, June, 2002

- Hammarberg, Thomas. Making Reality of the Rights of the Child. Radda Barnen. Sweden, 1994

- Hart, Roger A. Children’s Participation: from Tokenism to Citizenship. UNICEF, International Child Development Center. Italy, 1992

- Hart, Roger A. Children’s Participation: The Theory and Practice of Involving Young Citizens in Community Development and Enviroemental Care. UNICEF. New York, 1997

- Himes, James R. Implementing the Convention on the Rights of the Child. UNICEF, International Child Development Center. Italy, 1995

- Hodgkin, Rachel & Newell, Peter. Implementation Handbook for the Convention on the Rights of the Child, UNICEF, 1998.

- Lundy, Christine. An Introduction to the Convention on the Rights of the Child. Full Circle Press, Canada, 1997

- Office of the High Commissioner for Human Rights: Draft guidelines: A Human Rights Approach to Poverty Reduction Strategies. United Nations, Geneva , Switzerland. September 2002

- MEHROTRA, SANTOSH. Integrating Economic and Social Policy: Good Practices from High-   Achieving Countries, October 2000.

- Rasheed, Sadiq. Programming with the Convention on the Right of the Child, 1996

- UN Report to the Secretary General: We the Children, End – Decade Review of Follow-up to the Word Summit for Children, New York, May 2001

- UNICEF, A Human Rights Approach to UNICEF Programming for Children and Women, UNICEF document endorsed by Executive Director, April 1998

- UNICEF: child  protection, paper prepared for UNICEF Board Meeting, June 2003

- UNICEF: Childhood under Threat: The State of the World’s Children 2005. New York. 2005


المرفق (أ)
ويعرض الجدول التالي لارتباط مواد الاتفاقية بأهداف عالمية محددة لدفع عملية التطبيق كأهداف الألفية وخطة عمل وثيقة عالم جدير بالأطفال.
مواد اتفاقية حقوق الطفل  1989

أهداف الألفية للتنمية

2000

أهداف عالم جدير بالأطفال

مايو 2002
2 و 6 و 24 و 27 و 31

1- القضاء على الفقر المدقع والجوع

 4- تخفيض معدل وفيات الأطفال

 5- تحسين الصحة النفاسية

 6- مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض

 7- كفالة الاستدامة البيئية

  تشجيع الحياة الصحية

2 و 28 و 29

1-تحقيق تعميم التعليم الابتدائي

 2 تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة

توفير التعليم الرفيع النوعية

2 و 6 و 8 و 21 و 24      و 28 و 29

1- مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز  الملاريا وغيرهما من الأمراض

 2- تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة

مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية(الإيدز)

2 و6 و7 و8 و9 و11 و16  و19 و20 و21 و22 و23 و30 و34 و35 و36 و37  و38 و39 و40

إعلان قمة الألفية:

 سادساً:  حماية المستضعفين

الحماية من الإيذاء والاستغلال والعنف




العمال المهاجرون وأفراد أسرهم

أ. نزار عبد القادر

تمثل ظاهرة العمالة المهاجرة إحدى الانشغالات الكبرى على الساحة الدولية، بعد أن بلغ عدد العمال المهاجرين ما يزيد عن  175 مليونا من الرجال والنساء وحتى الأطفال وهو عدد مرشح لزيادة مضطردة حسبما ورد في كتاب بيتر ستالكر  "عمال بلا حدود: أثر العولمة على الهجرة الدولية" الصادر عن منظمة العمل الدولية، يعيشون خارج أوطانهم ويساهمون بتحويلات إلي أوطانهم تصل إلى نحو 77 بليون دولار من إيرادات بلدان الهجرة، وهو رقم لا يزيد عنه سوى صادرات النفط العالمية في التدفقات النقدية للتجارة الدولية، بينما يعيش معظمهم في ظروف قانونية واجتماعية واقتصادية هشة كغرباء داخل البلدان التي يعيشون فيها.

   وقد كشف الحوار الدولي حول هذه القضية خلال التحضير للمؤتمر العالمي الثالث لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب  أغسطس/سبتمبر 2001، عن أبعاد خطيرة للصعوبات التي تعانيها هذه العمالة المهاجرة، دفعت المؤتمر إلي  تبني العديد من التوصيات لتذليل الصعوبات التي تواجهها العمالة المهاجرة، وتعزيز آليات العمل الدولي من أجل النهوض بحقوقها، ومواجهة الآثار السلبية.

لكن قبل أن ينهض المجتمع الدولي  بالواجبات التي أقرها برنامج العمل الذي أصدره المؤتمر العالمي، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر المروعة وتداعياتها بمزيد من الصعوبات للعمالة المهاجرة، بما أثارته من خوف من الأجانب، واندفاع العديد من بلدان العالم لسن تشريعات لتعزيز إجراءاتها الأمنية، والتشدد حيال الهجرات غير الشرعية، وأطلقت هذه الأحداث موجة من الكراهية ضد الأجانب أفضت إلي العديد من جرائم الكراهية في العديد من البلدان.

    وتتحمل البلدان العربية نصيبا كبيرا من عبء المشكلة، باعتبارها مصدرا للعمالة المهاجرة ومعبرا لها، وأيضا كمستقبلة لهذه العمالة.

    وهنالك مساع في المنطقة العربية لتعظيم القيمة الإيجابية لهذه العمالة بشقيها الوافد والمهاجر، والحد من الآثار السلبية التي قد ترافق تدفق هذه العمالة من ناحية أخرى. كما تساهم المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة في تدعيم هذا التوجه، لكن لم تصل هذه الجهود بعد إلي توفير القدر الكافي من الضمانات القانونية لهذه العمالة بشقيها، ولم تتجسد بعد آليات كافية لتحقيق هذا الهدف، ولم يتبلور قدر كاف من مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية المتخصصة في متابعة هذه القضية على الساحة العربية.

 الأسباب الأساسية للهجرة

1- الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي، هذا ما أكده المؤتمر الوزاري الثاني 5+5 بشأن الهجرة والذي انعقد بمدينة الرباط المغربية شهر أكتوبر من العام  2003 بالإشارة إلي أن الأسباب الاقتصادية تقف بشكل عام خلف الهجرة من الدول النامية وخاصة من دول جنوب المتوسط (مصر ودول المغرب العربي) إلى أوروبا سواء بشكل شرعي أو غير شرعي.

2- النزاعات المسلحة.

3- الكوارث الطبيعية.

4- الاجتذاب من جانب البلدان الأكثر نموا

5- حاجة البلدان الأكثر نموا للمهاجرين.

يعتبر العمال المهاجرون إحدى الفئات الهشة من منظور حقوق الإنسان بسبب هشاشة الحماية القانونية المكفولة لهم، حيث تخلو العديد من التشريعات المحلية من المعايير الدولية التى تسلم صراحة بحقوق الإنسان للعمال المهاجرين إذ ترفض بعض الدول المستقبلة هذه المعايير، أو تقصر تطبيقها على مواطنيها، وكذلك يسبب قابلية العمال المهاجرين للتأثر بالتعديات على حقوق الإنسان مثل الطرد والإبعاد، ومظاهر التميز وكراهية الأجانب والعنصرية، وكذلك بسبب صعوبة وصولهم إلى سبل الانتصاف.

وفاقت الأبعاد السلبية للعولمة، التي استثنت الانتقال الحر للعمالة من جميع عناصرها، من الإشكاليات التي تواجه العمال المهاجرون وأفرزت العديد من الظواهر السلبية يأتي في مقدمتها : الهجرة غير الشرعية بمعنى عبور الحدود خلسة وعمليات التهريب عبر الحدود، التي يدفع المهاجرون مقابلها مبالغ نقدية كبيرة أو يرهنون ممتلكاتهم وممتلكات أسرهم في بلدان منشئهم لدفعها لاحقا، وجرائم الاتجار في البشر، فالمفهومان مترابطان في العديد من الحالات، فالمهاجرون الذين يقعون في هذا الفخ كثيرا ما يجدوا أنفسهم بدون أي نوع من أنواع الحماية وبصفة خاصة القانونية منها، وضاعفت من المخاطر التي تواجه أكثر هذه الفئة هشاشة مثل النساء اللاتي يتم استغلالهن فى الدعارة وإنتاج المواد الإباحية، فاستنادا إلي بيانات منظمة الهجرة الدولية، يقع نحو 4 ملايين نسمة ضحايا الاتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم وما لا يقل عن نصف مليون امرأة يجلبن إلي دول الاتحاد الأوروبي سنويا لممارسة الدعارة. هذا إلي جانب كل من العمال الزراعيين الموسميين الذين يتعرضون أكثر من غيرهم للتعدي على حقوقهم بسبب قصر مدة استخدامهم وتدنى مستواهم التعليمي، وتشريعات العمالة التي تتركز لصالح عمال الصناعة، وكذا عمال الخدمة المنزلية (ومعظمهم من النساء).

ورغم الجهود التي تبذلها منظمة العمل الدولية وهيئات الأمم المتحدة، المختصة من أجل إسباغ الحماية على العمال المهاجرين، اطردت الصعوبات التي تواجه حماية حقوق الإنسان لهذه الفئة، حيث تتزايد المشاعر المعادية لهم في بعض الدول بسبب التنافس مع العمالة الوطنية على فرص العمل، حتى تبنى بعض الأحزاب اليمينية فى بعض الدول الغربية برامج لطرد العمال المهاجرين، كما ضاعفت هجمات سبتمبر من الشك والخوف من الأجانب وتبنت العديد من الدول المستقبلة للعمالة المهاجرة قوانين وإجراءات ضاعفت من هشاشة أوضاع العمال المهاجرين وجاء كثير منها على أسس تمييزية.

المعايير الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين

    لقد أوردت معظم الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أحكاماً تتعلق بالعمل والحقوق ذات العلاقة، كما أقرت مبادئ عامة تعتبر قاسماً مشتركاً لجميع الحقوق ومنها مثلاً مبدأ المساواة كما تبنت قيماً مشتركة منها الحرية والكرامة الإنسانية والعدل والحق في الحماية من كل أشكال التمييز والعنف والاستغلال والحق في تلبية الحاجات الأساسية وفي توفير مستوى معيشي لائق لكل إنسان، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الأولى منه ينص "يولد الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء" كما نصت المادة الثانية على المساواة فيما عالجت المادة الثالثة والعشرون الحق في العمل، وقد أوردت عدة اتفاقيات أخرى ومنها بشكل خاص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نصوصا تتعلق بالعمل.

     شهد العام 2003 دخول اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية حيز النفاذ في 29 سبتمبر/أيلول 2003، إلي جانب البروتوكولين المكملين للاتفاقية، وهما بروتوكول منع وقمع الاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال والمعاقبة عليه، وبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو اللذين دخلا حيز النفاذ في 25 ديسمبر/ كانون أول 2003 و28 يناير/كانون ثان 2004.

    إعلان حقوق الإنسان للأفراد الذين ليسوا من مواطني البلد الذي يعيشون فيه والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 144/40 بتاريخ 13 ديسمبر/كانون أول 1985، الذي تشير مواده العشر للمبادئ الرئيسية لحماية حقوق الإنسان للناس، بغض النظر عن أصلهم القومي.

     وفي إطار الآليات التعاقدية بالأمم المتحدة، أصدرت لجنة القضاء على التمييز العنصري التوصية رقم 30 المتعلقة بالتمييز ضد الأشخاص غير المواطنين وذلك خلال دورتها الخامسة والستين في أغسطس/أب 2004 لتحل محل التوصية رقم 11 (1993).      

   وكانت منظمة العمل الدولية  أول هيئة تصدر صكوكا لحماية حقوق العمال المهاجرين فقد ورد في ديباجة دستورها أن المنظمة قد حددت، ضمن أهدافها، "حماية مصالح العمال المستخدمين خارج أوطانهم". لذا فقد صدرت عدة اتفاقيات هدفها المباشر معالجة أوضاع الأجانب والعمال المهاجرين بأحكام خاصة متميزة تتناسب مع هذه الأوضاع من بينهما على سبيل المثال: الاتفاقية رقم 97 العام 1949 بشان العمال المهاجرين، والاتفاقية رقم 143 لعام 1975 التكميلية بشأن الهجرة في الأحوال الجائرة وزيادة تكافؤ الفرص ومعاملة العمال المهاجرين.

   وتنص الاتفاقية رقم 97 على التزام الدول الأطراف بأن ينص قانونها على كفالة المساواة فى المعاملة على قدم المساواة بين العمال المهاجرين ومواطنيها بصورة قانونية في عدد من المجالات من بينها: سائر جوانب ظروف العمل، الضمان الاجتماعي، الضرائب والرسوم والاشتراكات المستحقة عن العامل، الدعاوى القضائية، ومن بين الأحكام العامة للحماية المقررة بموجب الاتفاقية ترد مسألة إيجاد إدارة مناسبة مجانية لتقديم المعلومات والمساعدة للعمال المهاجرين، ومحاربة الدعاية المضللة بالنسبة للهجرة، الإجراءات المناسبة لتسهيل مغادرة وسفر واستقبال العمال المهاجرين، إنشاء إدارات طبية مناسبة، السماح للعمال المهاجرين بتحويل دخولهم ومدخراتهم وحظر طرد العمال المهاجرين المقبولين بصفة دائمة في حالة عجزهم عن العمل.  فيما تنص اتفاقية الأحكام التكميلية على ضرورة احترام الدول الأطراف فيها لحقوق الإنسان الأساسية للعمال المهاجرين كافة، وتضع على عاتق الدول أن تتخذ الخطوات اللازمة لمنع الهجرة السرية ووضع حد لأنشطة منظمات تنقلات الأيدي العاملة.

    مؤتمر منظمة العمل الدولية وخلال دورته السنوية رقم 92 في يونيو 2004م أعلن عن اعتماد خطة عمل عن الهجرة لكفالة حماية العمال المهاجرين وفق معايير العمل الدولية، والتشريعات الوطنية والتشريعات المتعلقة بالحماية الاجتماعية.

 المقررة الخاصة بحقوق الإنسان للعمال المهاجرين:

   بتاريخ 6 أغسطس/أب 1999، عين رئيس الدورة الخامسة والخمسين للجنة حقوق الإنسان، السيدة غابريلا رودريغيس بيزارو (كوستاريكا) مقررة خاصة تعني بحقوق الإنسان للعمال المهاجرين، استنادا للقرار 44/1999 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان بتعيين مقرر خاص لمدة ثلاث سنوات يعنى بحقوق الإنسان للمهاجرين لدراسة سبل ووسائل تخطى العقبات القائمة أمام الحماية الكاملة والفعالة لحقوق الإنسان لهذه الفئة المستضعفة، بما فيها العقبات والصعوبات التي تعترض عودة المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين. 

    قدمت المقررة الخاصة منذ تعيينها وحتى تاريخه خمسة تقارير للجنة حقوق الإنسان، وثلاثة تقارير للجمعية العامة للأمم المتحدة تناولت جميعها قضايا العمال المهاجرين وعلاقتها بحقوق الإنسان، إلي جانب النشاطات التي قامت بها والرسائل التي وجهتها لحكومات العالم والردود الواردة من الحكومات، فضلاً عن تقديمها عدة تقارير إضافية تناولت زياراتها الميدانية إلي عدد من دول العالم من بينها زيارة للمملكة المغربية في الفترة ما بين 19 ـ 31 أكتوبر 2003م. 

 الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم

    اهتمت الأمم المتحدة منذ السبعينيات بمشكلة العمال المهاجرين، وأوصى أول مؤتمر عالمي للقضاء على العنصرية والتمييز العنصري عام 1978 بأن تقوم الأمم المتحدة بوضع مشروع اتفاقية لحماية حقوق العمال المهاجرين، وأصدرت الجمعية العامة في العام نفسه توصية مماثلة، ثم شكلت فى العام 1980 فريقاً عاملاً يسمح لجميع الدول بالاشتراك فيه لوضع الاتفاقية المقترحة، وبتاريخ 18 ديسمبر/كانون أول1990 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة  في قرارها 158/45 الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وبدا سريان مفعولها في 1 يوليو/تموز 2003 وفقا لأحكام الفقرة 1 من المادة 87 من الاتفاقية.

    كرست الاتفاقية عددا من الحقوق الأساسية لجميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم فى المواد من 8-32، تضمنت ما يلى: الحق فى الحياة، وحظر التعذيب، وحظر الاسترقاق أو العبودية وحرية الفكر والضمير والدين، وحرية إظهار دين المرء أو عقيدته، وحرية التعبير وحظر الاعتقال التعسفى، وحظر التدخل دون وجه حق فى الحياة الخاصة للفرد، وحظر الحرمان التعسفى من الممتلكات، والحماية من أعمال العنف، والحق فى محاكمة عادلة، وحظر تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعى، وحظر مصادرة أو تدمير وثائق الهوية، وحظر الطرد الجماعى والحظر فى المشاركة فى الأنشطة النقابية، وحق التمتع بما يتمتع به مواطنو الدولة من ضمان اجتماعى، والحق فى الرعاية الطبية وحق الطفل العامل المهاجر فى اكتساب اسم وجنسية ، وفى تلقى التعليم، واحترام الهوية الثقافية للعمال المهاجرين، وحق نقل ممتلكاتهم ومدخراتهم عند انتهاء فترة عملهم.

    وتناول القسم الرابع من الاتفاقية (المواد من 36-56) بعض الحقوق الأخرى للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم، كما تناولت القسم الخامس (المواد من 57-64) بعض الأحكام الخاصة بفئات معينة من العمال المهاجرين وأسرهم، وتناولت المواد الأخيرة بعض الأحكام الخاصة فيما يتعلق بالأحكام الواردة فى القسمين الثالث والرابع من الاتفاقية.

    وتنص المادة 72 من الاتفاقية على إنشاء لجنة للإشراف على تنفيذ الاتفاقية يتم اختيار أعضائها من جانب الدول الأطراف، وتتكون من 10 خبراء (من بينهم اثنين عرب من المغرب ومصر) يمارسون مهامهم في استقلالية ونزاهة، وسيزيد عدد أعضاء اللجنة إلى 14 عضوا، عندما يصل عدد الدول المصدقة على الاتفاقية 41 دولة.

    وتلتزم الدول الأطراف فى الاتفاقية بتقديم تقرير إلى اللجنة فى غضون عام واحد من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بالنسبة لها، وعليها بعد ذلك أن تقدم تقريرا دوريا كل خمس سنوات، بحيث يتضمن التقرير ما اتخذته الدولة من تدابير تشريعية وقضائية وإدارية وسواها لحماية الحقوق المكرسة فى الاتفاقية.

    وتتضمن الاتفاقية كذلك نصا يتيح للجنة تلقى ودراسة شكاوى تدعى فيها دولة طرف أن دولة أخرى لا تفى بالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقية، ولا يجوز تلقى هذه الشكاوى أو النظر فيها إلا إذا ٌقدمت من قبل دولة طرف تعترف باختصاص اللجنة بهذا الخصوص، وأن تكون الدولة المقدم فى حقها الشكوى قد اعترفت أيضا باختصاص اللجنة فى تلقى ودراسة مثل هذه الشكاوى بشأنها. كما أن لأى دولة طرف فى الاتفاق أن تعلن فى أى وقت - بموجب هذه المادة- أن تعترف باختصاص اللجنة فى تلقى ودراسة الشكاوى الواردة من أفراد أو نيابة عن أفراد يخضعون لولايتها ويدعون أن حقوقهم الفردية المقررة بموجب أحكام هذه الاتفاق قد تعرضت للانتهاك من قبل تلك الدولة الطرف ولا تتلقى اللجنة أية شكاوى مقدمة تتصل بدولة طرف لم تصدر هذا الإعلان.

    لكن رغم اعتماد اتفاقية حماية جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة ، فقد ظلت تعانى من ضعف واضح من الانضمام إليها، فلم يتسن لها الدخول فى حيز النفاذ إلا فى العام 2003، لم يتجاوز عدد الدول التى انضمت إليها حتى نهاية أبريل 2005، 29 دولة معظمها من البلدان النامية، (بينها أربعة بلدان عربية هى : الجزائر، المغرب، ليبيا، مصر) وليس بينها دولة واحدة من الدول المستقبلة للعمالة.

 

مواقف الدول العربية من الإتفاقية الدولية

الدولة

تاريخ التصديق

مصر

19 فبراير 1993

المغرب

21 يونيو 1993

ليبيا

18 يونيو 2004

الجزائر

21 أبريل 2005

 

تحفظات الدول العربية المصادقة

    تحفظت كل من الجزائر والمغرب على نص  المادة 92 من الاتفاقية التي تتناول موضوع التحكيم  بسبب  نزاع بين   دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير الاتفاقية أو تطبيقها لا يسوى عن طريق المفاوضات، بناء على طلب واحدة من هذه الدول. فإذا لم يتمكن الأطراف، خلال ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم، من الاتفاق على تنظيم أمر التحكيم، جاز لأي من تلك الأطراف إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية بطلب يقدم وفقا للنظام الأساسي للمحكمة.

    وتحفظت جمهورية مصر العربية على نص المادة الرابعة ونص الفقرة 6 من المادة الثامنة عشر من الاتفاقية : والمتعلقتين بموضوع مصطلح "أفراد الأسرة"  وتعويض العامل المهاجر أو أي فرد من أسرته بفعل إجرامي وحين يُنقّض في وقت لاحق الحكم بإدانته أو يتم العفو عنه.

   المادة4: لأغراض هذه الاتفاقية، يشير مصطلح "أفراد الأسرة" إلى الأشخاص المتزوجين من عمال مهاجرين أو الذين تربطهم بهم علاقة تنشأ عنها، وفقا للقانون المنطبق، آثار مكافئة للزواج، وكذلك أطفالهم المعالين وغيرهم من الأشخاص المعالين الذين يعترف بهم أفرادا في الأسرة وفقا للتشريع المنطبق أو الاتفاقات المنطبقة الثنائية أو المتعددة الأطراف المبرمة بين الدول المعنية.

    المادة 18 : 6- حين يصدر حكم نهائي بإدانة عامل مهاجر أو فرد من أسرته بفعل إجرامي وحين يُنقّض في وقت لاحق الحكم بإدانته أو يتم العفو عنه على أساس أن واقعة جديدة أو مكتشفة حديثا أثبتت على نحو قاطع أنه حدثت إساءة في تطبيق أحكام العدالة، يعوّض وفقا للقانون الشخص الذي أوقعت عليه العقوبة نتيجة لهذه الإدانة، ما لم يثبت أن عدم الكشف في الوقت المناسب عن الواقعة المجهولة يرجع كليا أو جزئياً إلى ذلك الشخص.

    المقررة الخاصة بالعمال المهاجرين تفسر عدم الرغبة هذه نتيجة مصالح حقيقية تستند إلى قواعد ذات نفوذ حقيقي يدافع عنها أشخاص هم غالبا المسئولون عن العراقيل التي تمنع التطبيق الكامل لمعايير حقوق الإنسان هذه.

    وبينما يعطى عزوف الدول عن الانضمام إلى هذه الاتفاقية مؤشرا على نمط الصعوبات التى تواجه إعمال المعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم فإنه يضاعف من الحاجة لتعزيز الجهود الرامية إلى تكريس الانضمام الدولى للاتفاقية واحترامها.

 الدول المستقبلة للعمالة المهاجرة

    تعد نصف البلدان العربية تقريبا من البلدان المستقبلة للعمالة وتشمل دول مجلس التعاون الخليجى الست، وكل من الأردن، ولبنان، والعراق (قبل الظروف الأخيرة)، وليبيا، ورغم ما يجمع هذه الدول من إشكاليات فى حماية حقوق العمال المهاجرين تماثل غيرها من الدول الأخرى المستقبلة للعمالة فى مناطق أخرى من العالم فإنها تتمايز تمايزاً كبيراً فيما بينها ارتباطاً بظروف متعددة سنأتى على ذكرها، وفيما بينها وبين أقاليم العالم الأخر.

    إذ تنفرد دول مجلس التعاون الخليجى بتطبيق نظام الكفيل، وهو نظام يفرض حالة خاصة من الانتهاك التشريعى والعملى تجاه العمال المهاجرين، ويقوم على نمط فريد من عقود الإذعان تنعدم فيه حرية التعاقد مع العامل الأجنبى تماما، وهو فى جوهره يقرر حقوقاً للكفيل دون واجبات والتزامات تجاه المكفول. وتقع كثير من حالات إنهاء الخدمة والترحيل نتيجة لسوء معاملة الكفيل للعامل المتعاقد معه، مما يدفعه إلى طلب فسخ العقد والعودة إلى بلده مهما كانت التكاليف.

     يحتفظ الكفيل بجواز سفر العامل بدعوى أنه يتحمل مسئوليته، ويعتبر أن وجود جواز سفره لديه ضمان لعدم هروبه، مما يمثل قيدا على حرية المكفول فى التنقل. ويماطل بعض الكفلاء فى تسليم جوازات السفر للمكفول بعد انتهاء التعاقد لإجبار العامل عن التنازل عن استحقاقاته المالية عليه.

    ويتقاعس الكفيل أحيانا عن القيام بإجراءات تحديد الإقامة بما يعرض العامل للغرامة، كما يستغل بعض الكفلاء سلطاتهم فى الموافقة على جعل الكفالة فى مساومة العامل للتنازل عن بعض مستحقاته المالية لديهم. كما يلجا بعضهم إلى تسليم العامل إلى الشرطة بدعوى الخوف من هربه، بما يعرضه للحبس حتى تنتهى إجراءات تجديد الإقامة، ثم ترحيله.

    وأحيانا ما يلجا الكفيل إلى الاتجار بالمتعاقدين وذلك بكفالة أعداد كبيرة منهم لا تناسب مع حجم أعماله الفعلية، ثم يطلب منهم بعد ذلك البحث عن عمل آخر نظير عمولة ثابتة قد تصل إلى نصف الأجر الشهري للعامل. وقد ترتب على نظام الكفيل نوع من الجرائم التي تتعلق بالاتجار فى "الإقامات" إذ دأبت بعض مكاتب العمل على خداع بعض الأشخاص الراغبين في العمل في بعض بلدان الخليج، وعندما يصلون إلى البلد المعنى يفاجأون بأنهم دون عمل محدد فلا يكون أمامهم إلاّ أحد أمرين: العودة من حيث أتوا بعد أن يكونوا قد استدانوا قيمة بطاقات السفر ونفقات التجهيز للسفر، أو القبول بالأمر الواقع بأن يعملوا بأجور ضئيلة، وشروط مجحفة.  

 الهجرة غير الشرعية

     تعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية موجودة في العديد من دول العالم المتقدمة منها كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أو النامية كدول الخليج العربي والمغرب العربي، واكتست أهمية بالغة في منطقة البحر الأبيض المتوسط نظرا لاهتمام وسائل الإعلام بها، فأصبحت تشكل رهانا أساسيا في العلاقات بين الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

    حسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير الشرعية في دول الاتحاد الأوروبي يصل نحو 1.5مليون نسمة. في حين أن الشرطة الأوروبية (EUROPOL) تقدر أعداد المهاجرين غير الشرعيين في دول الاتحاد الأوروبي بحوالي نصف مليون مهاجر.

    منظمة العمل الدولية أصدرت تقريرا أواخر  العام 2004 تحت عنوان  "الهجرة والعولمة في البلدان العربية" أشارت خلاله بشأن اعتداءات 11 سبتمبر 2001 والهجرة العربية لأوروبا بالإشارة إلي أن: "غالباً ما يكون هناك تجاذب بين الاعتبارات الأمنية وحقوق الإنسان, وغلب اعتداء أيلول (سبتمبر) الاعتبارات الأمنية بوضوح, ولم يقف الأمر عند ردود الفعل المباشرة التي يمكن تفهمها, بل امتد إلى تعديلات مؤسسية وتشريعية ستؤثر في تيارات الهجرة, ليس في الولايات المتحدة وحدها بل في بلدان أوروبا واستراليا, ومهد لهذا الأمر تيار اليمين السياسي المتصاعد في مختلف أنحاء العالم".

     كذلك أصدر المجلس الأوروبي ورقة بعنوان "الورقة الخضراء نحو بحث آليات للتعامل مع مسألة الهجرة الاقتصادية "فى11 يناير/كانون ثان 2005 تناولت أوضاع العمالة الشرعية المهاجرة ولم تشر إلى أسباب ودوافع الهجرة الشرعية أو غير الشرعية من الدول النامية إلى أوروبا. وعدم الإشارة إلي قصور مجالات التعاون المطروحة بين الاتحاد وبين دول المنشأ والعبور والتي تقتصر في معظمها على التعاون الأمني.

 خدم المنازل

    تتميز أوضاع هذه الفئة من العمال المهاجرين بالهشاشة نتيجة لعدة اعتبارات تتوزع مسئوليتها بين الدول المصدرة لهذه العمالة، وشركات التوظيف، والدول المستقبلة لها. فلا توفر الدول المصدرة الحد الأدنى للحماية القانونية لمواطنيها في شروط التعاقد والرقابة على شركات التوظيف، وتوعية العاملين بحقوقهم، وتتفاقم الشكوى من استغلال شركات التوظيف لهذه العمالة، ولا تكفل القوانين المطبقة في معظم البلدان المستقبلة ضمانات الحماية القانونية لحقوق هذه الفئة من العمال المهاجرين حيث لا تنطبق عليهم قوانين العمل السارية، ويضاعف نظام الكفيل المطبق في بلدان مجلس التعاون الخليجي من هشاشة أوضاع هذه الفئة، وكذا الصعوبات العملية أمام التماس أفراد هذه الفئة لسبل الإنصاف الوطنية فضلاً عن النقص الشديد، وأحياناً غياب، المنظمات غير الحكومية التي يمكن أن تساند حقوق هذه الفئة في معظم البلدان العربية المستقبلة لهذه العمالة.

    وقد أشارت السيدة غابريلا رودريغيز بيسارو ـ المقررة الخاصة للجنة حقوق الإنسان المعنية بالعمالة المهاجرة،  في تقريرها للجنة حقوق الإنسان في دورتها الستين أبريل/نيسان 2004، إلي أوضاع خدم المنازل وظروف عملهم، حيث أوضحت أن هذه الفئة من العمال تبين ثلاثة من أهم التحديات في مجال الهجرة الدولية المعاصرة:

   أولها اتساع نطاق الهجرة وتأنيثها، والجديد في هذه التحركات ليست ضخامتها على حد قولها بقدر ما هو زيادة عدد البلدان التي تنشأ منها وارتفاع نسبة النساء المشاركات فيها، ولا سيما في بعض البلدان الآسيوية .

    وثانيها صعوبة الحصول على اعتراف بما للمهاجرين من حقوق إنسان، ولا سيما المهاجرون ذوو الأوضاع الإدارية غير النظامية.

    وآخرها ضرورة إتباع نهج قائم على حقوق الإنسان في إدارة الهجرة.

    ولا شك أن نقص الضمانات القانونية، وعدم انطباق مواثيق العمل على خدم المنازل ومن في حكمهم من العمال المهاجرين الذين يعدون أضعف حلقات العمالة المهاجرة إلي انتهاك جسيم لحقوق هذه الفئة، كما تنال من سمعة البلدان المصدرة والمستقبلة لهذه العمالة على حد سواء، وقد سعت بعض الدول العربية المستقبلة لهذه العمالة لمعالجة بعض جوانب هذه المشكلة، بإصدار قانون  يوجب على المستخدمين إيداع ودائع نقدية لدى بعض البنوك لضمان تخفيض الحالات المتزايدة من تأخير سداد الأجور، و بإلزام الكفلاء بنفقات دفن العاملين الذين يتوفون خلال كفالتهم، لكن تظل هذه الجهود رهينة ثلاثة عوامل حاسمة هي: سقف القوانين المطبقة، وفي مقدمتها نظام الكفيل، وتشابك القضية مع الاستراتيجيات الوطنية تجاه فئة العمالة المهاجرة والتركيبة السكانية عموماً، وقصور التعاون بين الدول المصدرة لهذه العمالة والدول المستقبلة لها، وأدى ذلك إلي أن تظل الحلول المطروحة جزئية بالضرورة، وقاصرة عن استنباط قواعد حاسمة.

حقوق ذوى الاحتياجات الخاصة
أ.محمد نور الدين

مقدمة

   تمثل مشكلة الإعاقة، مشكلة جسيمة على المستوى الدولي حيث يقدر عدد ذوي الإعاقات بنحو 600 مليون نسمة يمثلون نحو10% من سكان العالم، ويفاقم من أثر المشكلة وجود أكثر من ثلثي هذا العدد في البلدان النامية والتي بالقطع تقبع تحت ضغوط التكلفة المادية المرتفعة لعملية التنمية، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا السياسية مما قد يحد من قدرتها على التعامل الجدي مع المشكلة دون مساعدة المجتمع الدولي، فالأمر يتطلب قدرا من التنسيق من قبل تلك الهيئات المختلفة من جهة وحكومات ومؤسسات المجتمع المدني في تلك الدول من جهة أخرى، مع عدم إغفال الدور الكبير المنوط بالمنظمات غير الحكومية سواء الدولية منها أو الإقليمية.

   ومع ذلك لا يجوز أن يسود الاعتقاد أن البلدان التي تتمتع بمستوى معيشة مرتفع لا تعانى في معالجة هذه المشكلة، فمهما اختلف المستوى المعيشي للأشخاص المعاقين فالصعوبات واحدة تحتاج إلى إرادة و تضافر من قِبل المجتمع من أجل نشر الوعي بالمشكلة وإسباغ الحماية القانونية على تلك الفئة من البشر، والتي تحتاج كغيرها من الفئات المختلفة إلى الحصول على حقوقها كاملة.

   ويبقى تأخر المجتمع الدولي في التوصل إلى اتفاقية تقر بصورة مباشرة بحقوق المعاقين وتنظم حصولهم على حقوقهم طبقا للاتفاقيات المختلفة لحقوق الإنسان تخيم بظلالها كعنصر سلبي على مدى الرقي الذي وصلت إليه الإنسانية والذي يمثل إحدى صوره الاهتمام الشديد بحقوق الإنسان والعمل الدؤوب على نشرها وتطويرها لتصبح عنصراً أساسياً يراعى في كافة الأنشطة الإنسانية، هذا وتقوم الأمم المتحدة ببذل مجهود دؤوب عن طريق أجهزتها المختلفة من أجل التوصل إلى اتفاقية دولية خاصة بحقوق المعاقين.

إشكالية تعريف الإعاقة

 تعتبر إشكالية تعريف الإعاقة وما يندرج تحتها من مصطلحات كالعجز وإعادة التأهيل من ضمن المعوقات المؤثرة سلبيا على تطور النظرة القانونية، بل والاجتماعية للمعاق، فمعرفة ماهية الإعاقة، والعجز، وإعادة التأهيل تسهم في تحديد الشخص المخاطب قانونا مع إمكانية تحديد نوع الحماية القانونية المراد إسباغها حسب نوع ودرجة الإعاقة.

    وقد مرت إشكالية التعريف بمراحل مختلفة بدأت خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت المصطلحـات المستخدمـة آنـذاك وخصوصا مصطلحي العجز و"العوق" يشوبهما الغموض واللبس، حيث كانت تعكس نهجا طبيا وتشخيصا يتجاهل النقائص والعيوب الموجودة في المجتمع المحيط.

   شهد عام 1980 اعتماد منظمة الصحة العالمية تصنيفا دوليا للعاهة، والعجز، والعوق يتسم بمزيد من الدقة إلى جانب النسبية وإن لم يسلم بدوره من النقد، فطبقا لهذا التصنيف، عرفت العاهة بأنها "أي فقدان للحالة الطبيعية سواء ذهنيا أو فسيولوجيا أو تشريحيا"، بينما عرف العجز على أنه، "أي تقييد أو فقدان للقدرة على القيام بنشاط يدخل في النطاق الطبيعي بالنسبة للإنسان"، وعرف العوق على أنه،"انتقاص في قدرة الفرد بسبب عاهة أو عجز على القيام بدور طبيعي سواء جزئيا أم كليا، اعتمادا على السن، والنوع، والعوامل الاجتماعية والثقافية لهذا الفرد"، ومن الجدير ذكره أن ذلك التصنيف لا يزال يستخدم على نطاق واسع في مجالات مثل، إعادة التأهيل والتعليم، والإحصاء، والتشريع، والديمغرافيا، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم الإنسان.

   وقد تركزت الانتقادات الموجهة لذلك التصنيف على أساس كونه يستند في تعريفه لمصطلح العوق على معيار طبي أكثر من اللازم وإفراطة في التركيز على الفرد، بالإضافة إلى كونه يفتقد إلى توضيح كاف للتفاعل بين الظروف أو التطلعات المجتمعية، وبين قدرات الفرد.

   من ناحية أخرى ونتيجة للخبرات المكتسبة في تنفيذ برنامج العمل العالمي، وللمناقشات القيمة التي دارت خلال عقد الأمم المتحدة للمعاقين، فقد اتسعت المدارك بخصوص مسائل العجز والمصطلحات المستخدمة فيها، فأصبح نطاق التعريف حاليا يقر، إلى جانب التطرق إلى الاحتياجات الفردية كإعادة التأهيل، بعيوب المجتمع المتمثلة في مختلف العقبات التي تحول دون المشاركة الفعالة للمعاقين في أنشطته المختلفة.

   وطبقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بالقواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعوقين، فقد تم تعريف العوق بكونه، "فقدان القدرة كلها أو بعضها على اغتنام فرص المشاركة في حياة المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين"، هذا ومن الملاحظ بالنسبة لهذا التعريف، شمول كلمة العوق لمعنى تلاقي المعوق مع بيئته، ويأتي ذلك تأكيدا لشمولية التعريف واهتمامه بما في البيئة الاجتماعية، من عيوب تمنع المعاقين من مشاركة الآخرين على قدم المساواة.

   ومن ناحية أخرى، وأيضا طبقا للقواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعوقين، يلخص مصطلح "العجز" عددا كبيرا من أوجه التقصير الوظيفي المختلفة التي تحدث لدى أية مجموعة من السكان في جميع بلدان العالم، وقد يعاق الناس باعتلال بدني أو ذهني أو حسي أو بسبب أحوال طبية ما أو مرض عقلي ما. وتلك الاعتلالات أو الأحوال أو الأمراض يمكن أن تكون بطبيعتها دائمة أو مؤقتة.

 حقوق الإنسان لذوي الإعاقات في المعايير الدولية

   يتسع نطاق حقوق الإنسان كما أراد له المجتمع الدولي أن يكون ليشمل كافة صنوف البشر دون تفرقة على أساس الدين، أو العرق، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، فمنذ إصدار العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، والحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقيات الدولية: لمناهضة التعذيب، وقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، ومنع كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الطفل، وحماية العمال المهاجرين، وهي الاتفاقيات السبع الرئيسية التي يرتكز عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، تم التأكيد الواضح على شمولية نطاق سريان مظلة حماية حقوق الإنسان وتنوعها لتشمل كافة فئات البشر، مما يصلح أن يكون الإطار القانوني والإنساني الذي تطل منه إشكالية حقوق المعاقين في إطار حقوق الإنسان.

   فالإشكالية المنوطة بحقوق ذوي الإعاقات لا تتعلق بتمتع المعاقين بحزمة خاصة من الحقوق تتعلق بهم، إنما بضمان تمتعهم بكافة حقوق الإنسان الواردة في المواثيق الدولية دون تفرقة من حيث كونهم أشخاصاً معاقين، فمع افتقار الساحة الدولية لاتفاقية دولية تختص بحقوق الإنسان للأشخاص المعاقين، تظل الحماية التي يمكن الاستناد عليها تتعلق ببعض بنود الاتفاقيات الدولية السبع الأساسية، أخذا في الاعتبار أن بعض بنود تلك الاتفاقيات باستثناء بندين وردا في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، لا تتعرض بصورة صريحة ومباشرة لحقوق المعاقين، إنما يتم الاستناد إلى البند الخاص بعدم جواز التفرقة الذي يضمن عادة في بنود كل اتفاقية من تلك الاتفاقيات.

   وقد تبلورت الإرهاصات الأولى لإشكالية التمييز ضد المعاقين من النظرة التي كانت سائدة في الماضي والمتمثلة في عدم قدرة المجتمعات على رؤية المشكلة وبالتالي التعامل معها على أساس من الواقعية والجدية. فالنظرة السائدة للمعاقين حينئذ كانت تتلخص في النظر إليهم على أنهم فئة من البشر تتطلب الحماية والعلاج فقط دون القدرة على رؤية احتياجاتهم كأشخاص للتمتع بحقوقهم مثل كافة الفئات الأخرى.

   وقد ساهمت تلك النظرة في تهميش المعاقين اجتماعيا وذلك عن طريق عزلهم في مدارس ومساكن منفصلة خاصة بهم، وكذا تخصيص وسائل مواصلات منفصلة لهم مما رسخ اعتقادا اجتماعيا على عدم قدرتهم على التفاعل مع المجتمع، وأيضا مع كافة صور أنشطته، فالوضع حينئذ كان يرتكز على عدم تمتع المعاقين بمجموعة الحقوق والحريات الأساسية بصورة متساوية مع أقرانهم من الأصحاء، فعلى سبيل المثال الحق في العناية الطبية، والعمل، والتعليم، والتصويت في الانتخابات، والانغماس في مختلف الأنشطة الثقافية، فكافة هذه الحقوق والحريات لم يكن يتمتع بها المعاقون على قدم المساواة مع الأشخاص العاديين، ولكن ما لبث أن اختلف الأمر خصوصا خلال العقدين الماضيين، حيث بدأت النظرة للمعاقين في التغير ببطء نحو الأفضل، وتطورت إلى النظر إليهم كأشخاص على قدم المساواة مع الأشخاص الطبيعيين لهم الحق في التمتع بكافة الحقوق والحريات المكفولة لبني البشر دون تفرقة على أساس كونهم معاقين.

   وقد بدأ الاهتمام الفعلي من قبل الأمم المتحدة بضرورة تقنين حقوق المعاقين وتوفير الحماية القانونية لهم، باجتماع مجموعة متنوعة من وكالات الأمم المتحدة في جنيف عام 1950، حيث اتفق المجتمعون على تطوير المعايير الدولية الخاصة بالتعليم والتدريب بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، وأعقبت تلك الخطوة خطوة أخرى وهي تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المعاقين ذهنيا 1971، ولم تمض أكثر من ثلاث سنوات حتى تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المعاقين 1975، والذي دعم بدوره الحقوق السياسية والمدنية للأشخاص المعاقين، وقد أعقب ذلك إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة 1976 باعتبار عام 1981، العام الدولي للأشخاص المعاقين والذي كان من أهم نتائجه برنامج العمل العالمي المتعلق بالمعاقين الذي اعتمدته الجمعية العامة بموجب قرارها 37/52 لسنة 1982، هذا وقد أكد كلاهما على حق الأشخاص المعاقين في التمتع بفرص متكافئة كالتي يتمتع بها كافة المواطنين، وبحقهم في الحصول على نصيب مساو مما يجد من تحسينات في أحوال المعيشة نتيجة للنمو الاقتصادي والاجتماعي، ومن ناحية أخرى فقد نتج عن تلك الجهود ظهور أول تعريف للعوق، والذي يتسع للعلاقة بين الأشخاص المعوقين وبيئتهم.

   وقد جاء عقد الأمم المتحدة للمعاقين (1983-1992) بمجموعة متنوعة من الأنشطة، أعدت بحيث تساعد على تحسين أوضاع المعاقين من خلال إيجاد مصادر تمويل جديدة، والعمل على تحسين فرص التعليم والتوظيف بالنسبة لهم، وبصورة عامة زيادة مساحة مشاركتهم في أنشطة الحياة المختلفة من خلال مجتمعاتهم.  

   وقد وافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دورته العادية الأولى لعام 1990 على الاهتمام بصياغة صك دولي من نوع مختلف يتناول قواعد موحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص المعوقين من الأطفال والشباب والكبار، وبناء على ذلك تم إنشاء فريق عمل مفتوح العضوية يتكون من خبراء حكوميين لوضع تلك القواعد الموحدة وذلك بالتعاون والتنسيق مع الوكالات المتخصصة وغيرها من الهيئات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، خصوصا المنظمات التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، هذا وقد أفضت تلك الجهود إلى إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الثامنة والأربعين للقرار 48/96 الخاص بالقواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعاقين.

   وتعتبر القواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعاقين نتاجاً للتجارب والخبرات المكتسبة أثناء عقد الأمم المتحدة للمعاقين (1983- 1992)، فالاثنان والعشرون قاعدة الواردة في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تم الموافقة والتصديق عليها من قبل كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، تغطي كافة أنشطة ومجالات الحياة بحيث تضمن عدم وجود حواجز أو عقبات تمنع الأشخاص المعاقين من التمتع بفرص متساوية من المشاركة الكاملة والحرة من أجل التطوير الكامل لقدراتهم والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم.

   وتشكل كل من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وكذا برنامج العمل العالمي للمعاقين، الأساس السياسي والأخلاقي لهذه القواعد.

   وتنقسم القواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعاقين إلى ثلاثة أقسام بحسب طبيعة كل مجموعة منها، فبالنسبة للشروط المسبقة لتحقيق المساواة في المشاركة، فتندرج تحتها أربع قواعد هي: التوعية، والرعاية الطبية، وإعادة التأهيل، وخدمات الدعم. أما بالنسبة للمجالات المستهدفة لتحقيق المشاركة على قدم المساواة فتندرج تحتها ثماني قواعد هي: فرص الوصول، والتعليم، والتوظيف، والمحافظة على الدخل، والضمان الاجتماعي، والحياة الأسرية، واكتمال الشخصية، والثقافة، والترويح، والرياضة، والدين، وتحت عنوان التدابير التنفيذية تندرج عشر قواعد هي: المعلومات والبحوث، وتقرير السياسات والتخطيط، والتشريع، والسياسات الاقتصادية، وتنسيق العمل، ومنظمات المعاقين، وتدريب الموظفين، ورصد وتقييم برامج العجز على الصعيد الوطني في مجال تنفيذ القواعد الموحدة، والتعاون التقني والاقتصادي، والتعاون الدولي.

   وتتمتع تلك القواعد بآلية رصد من خلال لجنة التنمية الاجتماعية والتي بدورها قامت بتعيين مقرر خاص ذى خبرة عريضة وإلمام واسع بالمسائل المتعلقة بالعجز. ويتلخص الغرض من آلية الرصد في تعزيز التنفيذ الفعال للقواعد الموحدة وذلك عن طريق مساعدة الدول على تقييم مستوى تنفيذها لتلك القواعد وقياس مستوى تقدمها في ذلك، هذا بالإضافة إلى استبيان العقبات واقتراح تدابير مناسبة تسهم في إنجاح تنفيذ القواعد الموحدة. ويتمثل إتمام مهمة الرصد على أكمل وجه، حسن الإدراك من قِبل آلية الرصد للخصائص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموجودة في كل دولة على حدة. 

   يتمثل الغرض الأساسي للقواعد الموحدة في أن تكفل للأشخاص المعاقين في المجتمعات المختلفة إمكانية ممارسة ما يمارسه غيرهم من الأشخاص الأصحاء من حقوق والتزامات، فتقريرا للواقع العملي لا تزال توجد في أغلب دول العالم، إن لم يكن جميعها دون استثناء، عقبات تمنع الأشخاص المعاقين من ممارسة حقوقهم وحرياتهم وتجعل من الصعوبة عليهم أن يشاركوا مشاركة كاملة في الأنشطة المختلفة لمجتمعاتهم، هذا ويشكل تحقيق تكافؤ الفرص بالنسبة للأشخاص المعاقين مساهمة أساسية في الجهود العامة المبذولة على الصعيد الدولي لتعبئة الموارد البشرية، مما يستلزم ضرورة الاهتمام بفئات محددة مثل النساء والأطفال والمسنين والفقراء والعمال المهاجرين وذوي العجز المزدوج أو المتعدد والسكان الأصليين والأقليات الإثنية، هذا بالإضافة إلى عدد غير قليل من اللاجئين المعاقين الذين لديهم احتياجات خاصة تستلزم  الاهتمام.

   ورغم عدم إلزامية القواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعاقين، فمن الممكن أن تتحول إلى قواعد عرفية دولية عندما يتم تطبيقها من قبل عدد كبير من الدول، فطبيعة تلك القواعد تنطوي على التزام سياسي ومعنوي قوي من جانب الدول باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق تكافؤ الفرص بالنسبة للمعاقين، هذا ومن ناحية أخرى تنطوي القواعد الموحدة على مبادئ أساسية تتعلق بالمسئولية والعمل والتعاون، كما تتطرق إلى مجالات ذات أهمية بالنسبة إلى نوعية الحياة وتحقيق المشاركة والمساواة الكاملتين، بالإضافة إلى إعطاء الأشخاص المعاقين والمنظمات المعنية بشئونهم أداة لرسم السياسات واتخاذ الإجراءات، كما تشكل أساسا للتعاون التقني والاقتصادي بين الدول المختلفة من خلال الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية.

   وقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992 المبادئ الخاصة بحماية الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي وأيضا تطوير نظام الرعاية الصحية الخاصة بهم، أعقبته عام 1993 باعتبار الثالث من ديسمبر من كل عام اليوم العالمي للأشخاص المعاقين.

نحو اتفاقية دولية لحماية حقوق الأشخاص المعاقين

   شهد عام 2001 أكثر الخطوات أهمية على طريق إبرام اتفاقية دولية  تسبغ الحماية القانونية على حقوق الأشخاص المعاقين، حيث صدر قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة 56/168، ينادى بضرورة إبرام اتفاقية تتناول حقوق الأشخاص المعاقين، حيث نص القرار على تشكيل لجنة للنظر في الاقتراحات الخاصة بالاتفاقية، مع دعوة المنظمات غير الحكومية وآليات مراقبة المعاهدات للمساهمة في أعمال اللجنة، وأيضا الدعوة لعقد اجتماعات إقليمية حتى يتسنى التعرف على كافة الآراء المختلفة والاستفادة منها.

   وقد شرعت اللجنة المشكلة للنظر في الاقتراحات الخاصة بالاتفاقية بعقد اجتماعاتها في يوليو/تموز 2002، وتوصلت في العام التالي 2003 إلى اتخاذ قرارات تتلخص في ضرورة إبرام اتفاقية تختص بحقوق الأشخاص المعاقين مع بيان الخطوات الواجب اتخاذها لبلوغ ذلك الهدف بما فيها تشكيل فريق عامل يتكون من ممثلين للدول الأعضاء والمنظمات غير الحكومية يختص بصياغة مسودة نص الاتفاقية لتكون أساسا لمناقشات الدول الأعضاء.

    وقد توالت اجتماعات الفريق العامل المختص بالصياغة من جهة واللجنة المشكلة للنظر في الاقتراحات الخاصة بالاتفاقية من جهة أخرى خلال عام 2004، ونتج عن تلك الاجتماعات صياغة نص مسودة اتفاقية خاصة بحقوق الأشخاص المعاقين من قبل الفريق العامل المختص بالصياغة، لتكون أساسا للمفاوضات فيما بعد من خلال اجتماعات اللجنة المشكلة للنظر في الاقتراحات الخاصة بالاتفاقية، هذا وقد اتمت اللجنة المنوطة في مايو/أيار 2004 القراءة الأولى للمسودة، كما انتهت في دورتها الخامسة  (24يناير/كانون ثان حتى 4 فبراير/شباط 2005) من مناقشة 15 مادة من الاتفاقية المقترحة على أن تستكمل عملها خلال دورتها السادسة في نيويورك في أغسطس/آب 2005.

 آليات المتابعة الدولية

    تمثل الجهود الحثيثة لكل من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ومقرر الأمم المتحدة الخاص بالمعاقين جزء مهما من الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة من أجل دعم وضمان حصول المعاقين في مختلف دول العالم على حقوقهم كاملة، وكذا العمل على تطوير ومد مظلة الحماية القانونية الممنوحة لتلك الفئة من الأشخاص لتشمل كافة صور الإعاقة.

   ويتبع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ما يطلق عليه سياسة المحاور المتعددة، فهو من ناحية يعمل على دمج موضوع حقوق الإنسان للأشخاص المعاقين بصورة أكبر في آليات حقوق الإنسان الموجودة حاليا، وكذا العمل على إيجاد اتفاقية جديدة تختص بحقوق الأشخاص المعاقين، ومن ناحية أخرى يعمل على التفاعل مع البعد الاجتماعي للمشكلة.

   وتتلخص مهمة المقرر الخاص بالإعاقة في دعم، وتسهيل، ومراقبة تطبيق القواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص بالنسبة للأشخاص المعاقين، ومن الجدير بالذكر أن مهمة المقرر الخاص بالإعاقة تتولاها سيدة عربية هي الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني، وتتيح جهودها إثارة الاهتمام بالقضية على المستوى العربي على نحو أفضل.

حقوق المعاقين في الإطار العربي

   لم تنفصل الدول العربية عن الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز وضمان حصول الأشخاص المعاقين على الحماية القانونية الملائمة من أجل ضمان تمتعهم بكافة الحقوق الخاصة بهم في نطاق حقوق الإنسان، سواء على المستوى المحلي بتبني خطط وسياسات معينة، أو على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك من خلال التعاون فيما بينها، ومن خلال الجامعة العربية على دعم الجهود الدولية من أجل التوصل إلى اتفاقية دولية تحفظ وتضمن حصول تلك الفئة على حقوقها الكاملة، مع ترك الباب مفتوحا من أجل إمكانية إبرام اتفاقية عربية ولو على المدى البعيد تكون إضافة للجهود الدولية في هذا المجال، وفي نفس الوقت تكون متخصصة بصورة أكبر في التعامل مع المشاكل ذات الطبيعة الخاصة المتعلقة بالبيئة الاجتماعية العربية والتي يعاني منها الأشخاص المعاقون في المنطقة العربية.

   من ضمن صور الجهود العربية في هذا المجال والتي تسهم فيها الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، "مؤتمر الإعاقة في الوطن العربي الواقع والمأمول" والذي عقد في بيروت بلبنان في الفترة من 2 – 5 أكتوبر/تشرين أول 2002 بمشاركة 300 شخص من ثماني عشرة دولة عربية يمثلون الوزارات والمنظمات والهيئات غير الحكومية، وقد تمثلت التوصيات العامة للمؤتمر في دعوة الدول العربية إلى المشاركة في مناقشات الاتفاقية الدولية حول الإعاقة المزمع إقرارها من الجمعية العامة للأمم المتحدة والعمل مع المؤسسات الإقليمية والعالمية والأشخاص المعاقين على سرعة إقرارها، وكذا تشجيع عمل الأشخاص المعاقين في وسائل الإعلام المختلفة، وإصدار التشريعات التي تضمن حق الشخص المعاق في استعمال وسائل النقل العام، وحث الدول العربية التي لم توقع على الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتأهيل والعمل للتوقيع عليها والالتزام بها، وأيضا تجهيز مراكز التأهيل والعمل بالتقنيات الفنية اللازمة لتسهيل أداء الشخص المعاق لعمله وإتقانه ولضمان الأمن والسلامة المهنية وتجنب إصابات العمل، وتعزيز الشراكة مع أصحاب العمل وتثمين دورهم في توفير فرص عمل للمعاقين.

    وتشمل التوصيات العامة للمؤتمر أيضا، ضرورة تدريب وتطوير مهارات العاملين في مجال التأهيل المهني وتوعيتهم بقضايا الأشخاص المعوقين واحتياجاتهم وحقوقهم، بالإضافة إلى دمج الأطفال المعاقين في المدارس العادية كلما أمكن ذلك وعند الضرورة تفتح صفوف أو مدارس خاصة تؤهل بالمستلزمات التي تسهل عملية التعليم للأطفال المعاقين, وكذا تطوير المناهج الدراسية الخاصة بإعداد معلمي المعاقين كلغة الإشارة وتوحيد اختصارات بريل، وتأسيس مراكز معلومات لتسهيل تبادل الخبرات والتجارب العربية الناجحة في مجالات التعليم والتأهيل والعمل والدمج وغيرها، وتنظيم حملات مكثفة لتوعية المجتمع بقضايا الإعاقة وحقوق المعاقين في التعليم، وتوعية الأسرة والمعاقين بأهمية التعليم ودوره في تحقيق الاعتماد على الذات والاندماج في المجتمع، وكذلك التوسع في إنشاء وحدات للكشف المبكر عن الإعاقة في الريف والحضر وتزويدها بالمتخصصين المؤهلين القادرين على التدخل المبكر للحد من مضاعفات الإعاقة، وأيضا التأكيد على اشتراك الأشخاص المعاقين في الأنشطة اللامنهجية والأنشطة الصيفية التي تنظمها المؤسسات التعليمية، والتأكيد على الشراكة بين منظمات المجتمع الأهلي والمؤسسات الرسمية من أجل النهوض بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية والرياضية وغيرها، والعمل على مشاركة الأشخاص المعوقين وأسرهم في تخطيط وتنفيذ البرامج المخصصة لهم ومتابعة تنفيذها، وأخيرا تنظيم لقاءات بين الأشخاص المعاقين والعاملين معهم وبين الإعلاميين والعاملين في وسائل الاتصال الجماهيري لتعزيز الشراكة وإنجاز الرسائل الإعلامية المبنية على الحقائق.

   واستطرادا للجهود العربية في المجال نفسه، عقد "المؤتمر العربي الإقليمي بشأن المعايير المتعلقة بالتنمية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقات" في بيروت بلبنان في الفترة من 27 إلى 29 مايو/ أيار من العام 2003، والذي قامت بتنظيمه لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي أسيا، بالتعاون مع شعبة السياسة الاجتماعية والتنمية في إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وبمشاركة وزارة الشئون الاجتماعية في لبنان، وممثلي الحكومات العربية، وبعض المنظمات العربية غير الحكومية المختصة، وقد جاء انعقاد المؤتمر في سياق النقاش الدولي الذي يهدف إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقات من المشاركة الفعالة في عملية التنمية، وفي سياق الجهد الإقليمي للتحضير للعقد العربي للمعاقين، 2004 – 2013، الذي أقره مجلس وزراء الشئون الاجتماعية العرب في دورته الثانية والعشرون.

   تتلخص القضايا الرئيسية التي تمت مناقشتها من خلال المؤتمر فى تصميم وتطوير محتوى آلية دولية جديدة لتعزيز وحماية حقوق الأشخاص المعاقين في الدول العربية، وذلك بالاستناد إلى توصيات مؤتمر الإعاقة في الوطن العربي "الواقع والمأمول"، والذي سبق الإشارة إليه، وأيضا مراجعة السياسات والبرامج الإنمائية المعنية المتوفرة في البلدان العربية في ضوء مراعاة اعتماد النهج الإنمائي القائم على الحقوق على أن يشمل الأشخاص المعاقين حيث يمثلون جزءاً أساسياً من صلب هذا النهج، وكذا مراجعة السياسات والبرامج الإنمائية المعنية المتوفرة في البلدان العربية في ضوء إفساح المجال لتطوير دور المؤسسات والدور التنظيمي وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

   وقد صدر عن المؤتمر ما يعرف بإعلان بيروت حيث تضمن عرضاً وافياً للمشكلة مع بيان التحديات الكبيرة التي تواجه الأشخاص المعاقين في العالم بصفة عامة والوطن العربي بصفة خاصة، بالإضافة إلى بعض التوصيات التي تؤكد على ضرورة المشاركة الفعالة في صياغة الاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق المعاقين بحيث تشمل المعاقين ذهنيا والمرأة المعاقة والطفل المعاق والمسن المعاق، وضرورة ربط هذه الاتفاقية بمشروع دعم مادي وتقني للبلدان النامية لضمان تنفيذها، وأيضا ضرورة تأمين آلية تنفيذ ومراقبة فعالة تستهدف ضمان التنفيذ الجدي لبنود الاتفاقية، وأخيراً متابعة دعم مشروع الاتفاقية الدولية على الصعيد الإقليمي العربي، وذلك من خلال إسناد مهام المتابعة إلى المقرر الخاص المعني بالإعاقة للجنة التنمية الاجتماعية بالأمم المتحدة.

   يمثل العقد العربي لذوي الاحتياجات الخاصة 2004 - 2013 نقلة نوعية في إطار الجهود العربية للاهتمام بحقوق الأشخاص المعاقين، حيث جاء إقراره من قبل مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة، هذا وقد كلف مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة الأمانة العامة بمتابعة تنفيذ محاور هذا العقد وتقديم تقارير دورية بشأنه  إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

   ويتضمن العقد العربي لذوي الاحتياجات الخاصة 2004 – 2013 عدة محاور يتم التعامل معها في إطار الطبيعة والمتطلبات الخاصة لكل منها، فتلك المحاور هي: التشريعات، والصحة، والتعليم، والتأهيل والعمل، والتسهيلات والنقل، والطفل المعوق، والمرأة المعوقة، والمسن المعوق، والإعلام والتوعية المجتمعية، والعولمة والفقر والإعاقة، والرياضة والترويح.

   ويهدف العقد العربي لذوي الاحتياجات الخاصة إلى تعزيز رؤية الشخص المعوق لنفسه وتثمين قدراته، والعمل على تغيير نظرة المجتمع السلبية نحو الإعاقة، هذا بالإضافة إلى العمل على إدراج قضية الإعاقة واحتياجات الأشخاص المعاقين في صدارة أولويات الحكومات العربية وتوفير الاعتمادات اللازمة لها، بما يكفل تحسين نوعية الحياة بالنسبة للأشخاص المعاقين، وكذا دعم وتسهيل إنشاء جمعيات الأشخاص المعاقين وعائـلاتهم وأصدقـائهم وضـرورة تمثيلها في  الهيئات أو المجالس العليا للإعاقة لضمان المشاركة الفعالة في رسم السياسات ووضع الخطط والبرامج للنهوض بالأشخاص المعاقين.

   ويتسع نطاق أهداف العقد العربي لذوي الاحتياجات الخاصة ليشمل إنشاء وتفعيل أداء الجمعيات الأهلية واللجان أو المجالس أو الهيئات العليا المعنية بوضع ورسم السياسات والخطط الوطنية للنهوض بأحوال الأشخاص المعاقين، وأيضا العمل على إنشاء قاعدة بيانات شاملة عن الأشخاص المعوقين، مع عدم إغفال حتمية تطوير وتحسين الخدمات والبرامج الحكومية والأهلية القائمة، بما يضمن شموليتها لتلبي احتياجات الأشخاص المعوقين بمختلف إعاقاتهم.

   ويتضمن العقد العربي لذوي الاحتياجات الخاصة آلية متابعة في صورة لجنة وطنية تضم ممثلين عن المؤسسات الحكومية ذات العلاقة والجمعيات العاملة في مجال الإعاقة وجمعيات الأشخاص المعاقين، تقوم بالإضافة إلى متابعة تنفيذ العقد، بإعداد تقرير وطني سنوي يرفع إلى الأمانة الفنية للمجلس، هذا مع تشكيل لجنة تضم الأمانة الفنية لمجلس وزراء الشئون الاجتماعية العرب والمنظمة العربية للمعاقين، تتولى متابعة تنفيذ العقد، وإعداد تقرير سنوي عما تم إنجازه.

 

حقوق الأقليات
أ.محسن عوض

يعتري تحديد مفهوم الأقليات كثير من الصعوبات إلى الحد الذي حدا بالفريق العامل المعني بالأقليات إلى الأخذ بأسلوب قبول مبدأ الهوية الذاتية، وبمقتضاه يعتبر تحديد الأشخاص أنفسهم على أنهم أفراد في أقلية ما، هو العنصر الحاسم في تعريفهم كأقلية.

   يقدر عدد الأفراد الذين ينتمون إلى أقليات في العالم بما لا يقل عن مليار نسمة، ويتوزعون بين أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية أو لغوية، وكثيرا ما يتعرض الأفراد الذين ينتمون إلى أقليات إلى أشكال من التمييز، وعدم الاعتراف بالعناصر المكونة لهويتهم ومنها لغتهم ودينهم أو تاريخهم، وتشكو الأقليات من الانتقاص النسبي لحقوق أفرادها بالنسبة للحصول على الوظائف والخدمة العامة، والمشاركة في المؤسسات السياسية، وعدم كفاية الحصول على الموارد التي تمكن الأقليات من الحفاظ على هويتها.

   على أن عدم وجود تمييز لا ينفي وجود الأقليات، وضرورة الاعتراف بهويتها، وتذهب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم (23) إلى أن وجود أقلية من الأقليات "لا يتوقف على قرار" من الدولة، وإنما يلزم تعزيزه بموجب معايير موضوعيه، وأن عدم التمييز، والمساواة في التمتع بالحقوق لا يحولان دون وجود الأقليات داخل بلد بعينه.

   كما تشير التقارير والمعلومات أيضا إلى أن الأقليات عرضة لانتهاكات محددة لحقوق الإنسان تتسم في الغالب بالخطورة، ومن شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي وإلى نشوب نزاعات.

   وقد اعترفت وثائق الأمم المتحدة الأساسية بالصلة بين حماية الأقليات ومنع النزاعات، وأبرزتها، وركز الأمين العام في تقريره السنوي عن عمل المنظمة في عام 1999 "أن البلدان التي اجتاحتها غائلة الحرب تعاني في العادة أيضا من عدم المساواة بين الفئات الاجتماعية في البلد، ويبدو أن هذا، وليس الفقر، هو العامل الحاسم، فعدم المساواة يمكن أن يقوم على أساس من النزعة العرقية أو الديانة أو الهوية القومية أو الطبقة الاقتصادية، لكنه يجنح إلى أن ينعكس على شكل عدم التكافؤ من حيث سبل الوصول إلى السلطة السياسية بما يسد المسالك المفضية إلى التغيير السلمي في غالب الأحيان".

   كما نبه الأمين العام، وهو يعرض تقريره عن الألفية في العام التالي (2000) إلى أن "أفضل طريقة لمنع الصراعات تتمثل في تعزيز الترتيبات السياسية التي تمثل فيها جميع الفئات بصورة عادلـة، مـع اقترانها بحقوق الإنسـان، وحقوق الأقليات، وتنمية اقتصادية واسعة النطاق".

   وقدم تقرير الأمين العام عن منع النزاعات المسلحة في العام 2001 اقتراحات مختلفة لمنع النزاعات، كما دعا مجلس الأمن الأمين العام في قراره 1366 (2001) وهو يتناول المسائل التي طرحها الأمين العام في تقريره، أن يحيل إلى المجلس المعلومات والتحليلات المتاحة داخل منظومة الأمم المتحدة عن حالات الانتهاك الجسيم للقانون الدولي بما في ذلك القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعن حالات الصراع المحتملة الناشئة عن جملة أمور منها النزاعات العرقية أو الدينية أو الإقليمية.

   وكان منع انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها الانتهاكات الناشئة عن التمييز والتعصب والاستبعاد والتهميش هو بؤرة تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى لجنة حقوق الإنسان في العام 2000. وأعربت المفوضة السامية عن إيمانها القاطع بأن جهود مكافحة الحصانة في جرائم الإبادة الجماعية يجب أن تدمج في نظام فعال للإنذار المبكر ومنع الصراعات، لأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إذا تركت دون ملاحقة وعقاب يمكن أن تؤدى إلى تصاعد النزاعات لتصبح" عداوات صريحة وحتى حروبا".

   ودعا المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية، في إعلان وبرنامج عمل ديربان، إلى وضع أساليب وإجراءات جديدة مبتكرة لحل النزاعات والتوسط والمصالحة بين الأطراف المشتركة في النزاعات أو الصراعات القائمة على العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب والتعصب المتصل بذلك.

   وفـي مختلف الاجتماعات المعنيـة بالمسائل المتعلقة بالأقليات، طالب المشاركون مراراً بأن يبذل المجتمع الدولي جهوداً أكبر لمعالجة مسائل الأقليات كأسباب متكررة للنزاعات المرتبطة بالأقليات. والمشاركة في منع النزاعات عن طريق تعزيز الحوار والوساطة والمصالحة. وإنشاء أو تعزيز الآليات الإقليمية لمنع النزاعات.

 المعايير الدولية لحقوق الإنسان وقضايا الأقليات

    ثمة مفارقة واضحة في حماية الأقليات في المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فرغم جسامة مشكلة الأقليات وأثرها في تفجير النزاعات، لم ترد في ميثاق الأمم المتحدة أية إشارة صريحة إلى حماية الأقليات، كما لم ترد بالمثل أية إشارة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حول الموضوع نفسه، فيما اعتبره البعض "خطوة إلى الوراء" بالمقارنة بما كان عليه الحال في عصبة الأمم، وفسره البعض الآخر بأن قضايا الأقليات قد تم التعامل معها في إطار قضية أكبر وهى قضية حقوق الإنسان، والعمل من أجل تعزيزها واحترامها دون أي تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو اللغة أو أي سبب آخر. (الرشيدى 256).

   وقد جاءت أول إشارة إلى حقوق المنتمين إلى أقليات في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966)، واستخدم هذا النص أساساً للمناقشة أثناء وضع مشروع "إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية ولغوية" الذي اعتمد في 16 ديسمبر/كانون أول 1992.

   ويعد إعلان الأقليات هو الصك الوحيد للأمم المتحـدة الـذي يتناول على سبيل الحصر حقوق

الأشخاص المنتمين إلى أقليات. ويضم الإعلان ديباجة وتسع مواد.

   وقد أوردت الديباجة أن تعزيز وحماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات يسهمان في الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول التي يعيشون فيها، كما شددت على أن التعزيز والإعمال المستمرين لحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات كجزء لا يتجزأ من تنمية المجتمع بأسره وداخل إطار ديمقراطي يستند إلى حكم القانون، من شأنهما أن يسهما في تدعيم الصداقة والتعاون فيما بين الشعوب والدول، كما خلصت إلى أن للأمم المتحدة دورا مهما تؤديه في حماية الأقليات .

   ويلزم الإعلان الدول أن تقوم، كل في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية، أو الإثنية، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية، واعتماد التدابير التشريعية وغيرها الملائمة لتحقق تلك الغايات، كما يلزم الدول بالتعاون في المسائل المتعلقة بالأشخاص المنتمين إلى أقليات، وتبادل المعلومات والخبرات ومن أجل تعزيز التفاهم والثقة المتبادلين (م6)، كما يلزمها بالتعاون من أجل تعزيز احترام الحقوق المبينة في هذا الإعلان (م7).

   أما حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات التي حددها الإعلان فتشمل : حقهم في التمتع بثقافتهم الخاصة، وإعلان ممارسة دينهم، واستخدام لغتهم علانية وبحرية وبدون تدخل أو أي شكل من أشكال التمييز، وكذا حقهم في المشاركة في الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والعامة مشاركة معلنة، وكفالة حقهم في إنشاء الرابطات الخاصة بهم.

   ويعترف الإعلان للأشخاص المنتمين إلى أقليات بالحق في المشاركة الفعالة على الصعيدين الوطني والإقليمى في القرارات الخاصة بالأقلية التي ينتمون إليها، أو المناطق التي يعيشون فيها، بصورة لا تتعارض مع التشريع الوطني، كما يعترف لهم بالحق في إقامة اتصالات حرة وسلمية مع سائر أفراد جماعتهم، ومع الأشخاص المنتمين إلى أقليات أخرى، وكذلك إقامة اتصالات عبر الحدود مع مواطني الدول الأخرى الذين تربطهم بهم صلات قومية أو إثنية وصلات دينية أو لغوية، دون أي تمييز .

   ويضع الإعلان هذه الالتزامات والحقوق في سياقين، الأول هو ألاِّ تحول ممارسة الحقوق المبينة في هذا الإعلان دون تمتع جميع الأشخاص بحقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا، والثاني ألاِّ تتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسى.

 الآليات الدولية لتعزيز حقوق الأقليات وحمايتها

    تتعدد الآليات الدولية التي تتطرق إلى تعزيز حقوق الأقليات وحمايتها، ومن بينها "اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات" التي تأسست عام 1946 وظلت منشغلة بقضايا الأقليات رغم تغيير اسمها في العام 2000 إلى "اللجنة الفرعية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان".

   وقد انبثق عن اللجنة الفرعية، الفريق العامل المعني بالأقليات في العام 1995 كهيئة مساعدة للجنة، وأوكل إليه ثلاث ولايات هي: (أ) استعراض الأنشطة الرامية إلى ترويج إعلان الأقليات وتحقيقه عمليا، (ب) دراسة الحلول الممكنة للمشاكل المتصلة بالأقليات، (ح) التوصية بالمزيد من التدابير لتعزيز وحماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات.

   ويعد الفريق العامل هو المحفل الدولي الوحيد الذي يُعنى حصراً بالأشخاص المنتمين إلى أقليات، وهو مفتوح للمنظمات غير الحكومية التي لا تتمتع بمركز لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجميع ممثلى الأقليات، وقد زادت المشاركة في الفريق العامل على مر السنين، كما يحضر دوراته السنوية، عدد كبير من ممثلي الدول، زاد في أكثر من دورة عن 100 دولة.

    ويدرس الفريق العامل قضايا شاملة، ويحدد الاتجاهات السائدة فيما يتعلق بقضايا الأقليات، ويشجع الحوار بين الأقليات والحكومات، ويشرك منظومة الأمم المتحدة في المسائل المتصلة بالأقليات، لكن يتعين الانتباه إلى أن دورته السنوية لا تتجاوز أسبوعاً، وأنه لا يتمتع بولاية تلقي معلومات أو الرد عليها في أي فترة أخرى في السنة، ولا يحق له رسميا البت في القضايا الفردية ولا الاضطلاع ببعثات لتقصي الحقائق أو إجراء التحقيقات.

   وتهتم "الإجراءات الخاصة" كذلك بقضايا الأقليات وفقا لولاية كل منها، إلا أن النظام الحالي للإجراءات الخاصة لا يغطي جميع ما يتصل بالأقليات من قضايا، ولا تركز ضمن ولاياتها بشكل محدد ومتواصل على وضع الأقليات.

   وتجدر الإشارة إلى أن التقارير التي قدمتها الإجراءات الخاصة (سواء "المواضيعية" أو الخاصة ببلدان محددة) أشارت إلى ضرورة تعزيز حماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات من خلال جملة أمور من بينها البت في الشكاوى الفردية، وتحديد الأسباب الجذرية للانتهاكات، واتخاذ إجراءات لمنع انتهاكات حقوق الإنسان والنزاعات.

   وتهتم "هيئات المعاهدات" كذلك بقضايا الأقليات في معرض نظرها في تقارير الدول الأطراف، وتشير بشكل منتظم في ملاحظاتها الختامية إلى شواغلها بخصوص الأقليات وغيرها من الفئات المحرومة، وتصدر توصيات تدعو إلى اتخاذ إجراءات في هذا الصدد. لكن ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار هنا أيضا، إلى أن البلدان التي توجد بها أقليات ليست جميعا أطرافاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يتضمن مادة محددة تتعلق بالأقليات، ولا في البروتوكول الاختياري الأول الذي يسمح بالشكاوى الفردية، كما أن النظر في تقارير الدول الأطراف والأوضاع السائدة فيها يتم بشكل دوري وغالبا كل خمس سنوات، وهو ما لا يفضي بالضرورة إلى تحديد القضايا في الوقت المناسب.

   ويعد وضع لجنة القضاء على التمييز العنصرى أفضل في هذا السياق، ولكن هذه اللجنة ذاتها لا تعقد دوراتها سوى مرتين في السنة لمدة أسبوعين يمكن خلالهما اتخاذ قراراتها.

   ويضطلع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، طبقا لقرار إنشائه من جانب الجمعية العامة (48/141) بدور نشط في إزالة ما يعترض الإعمال الكامل لجميع حقوق الإنسان من عقبات. وتذهب تحليلات مكتب المفوض السامي إلى أنه يمكن النظر في بحث سبل تطوير هذا الجانب من الولاية بحيث يتيح تحديد قضايا الأقليات في الوقت المناسب وما يتصل بذلك من تدابير، وقد دعت التوصيات الصادرة عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، والجمعية العامة المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن تتيح عبر برنامجها للخدمات الاستشارية أو الأمين العام، الخبرات الجيدة في مجال قضايا الأقليات بما في ذلك منع النزاعات وتسويتها، وذلك بغرض مساعدتها في معالجة ما هو قائم أو ما قد يستجد من أوضاع لها صلة بالأقليات.

   وقد نظمت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، بالتعاون مع الفريق العامل، اجتماعات مشتركة مع وكالات الأمم المتحدة في أواخر فبراير/شباط 2004 لتشجيع التعاون بشكل أوثق في منظومة الأمم المتحدة وتحسين عملية دمج قضايا الأقليات في أنشطة الوكالات والبرامج. واعتبر المشاركون في الاجتماع أنه " آن الآوان لتحسين حماية الأقليات".

   وتضطلع الترتيبات الإقليمية التي تكمل عمل الآليات الدولية والوطنية بدور هام في ميداني حماية الأقليات، ومنع ما له صلة بها من نزاعات من خلال وسائل من بينها الإنذار المبكر. ويركز المفوض السامي المعني بالأقليات القومية، التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على تسوية المنازعات التي لها صلة بالأقليات عن طريق الدبلوماسية الهادئة. وفي العام 2002 أنشأ الاتحاد الأفريقي مجلساً للسلم والأمن، يتولى من جملة أمور التنبؤ بالنزاعات وبعضها، وهو آلية باشرت بالفعل عملها فيما يتعلق بالقضايا ذات الصلة. كما يدخل تعزيز السلم والأمن ومنع النزاعات، وتسوية المنازعات في الأهداف الأساسية لمنظمة الدول الأمريكية.

   وتذهب التحليلات، بما فيها تلك الصادرة عن الآليات نفسها، إلى قصور آليات تعزيز حقوق الأقليات. فيبرز تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى لجنة حقوق الإنسان حول تحليل عمل ما هو قائم من آليات لتعزيز حقوق الأقليات وحمايتها، أن بعض التحديات الهامة التي تواجهه الأقليات لا تحظى بما يكفي من المعالجة من قبل "الولايات" القائمة، وفيما أن قضايا الأقليات لا تشكل محور التركيز " للإجراءات الخاصة" القائمة، فإن هذه الآليات لم تستطع التعبير عن كل ما يتصل بالأقليات من شواغل.

   وأشار التقرير على وجه الخصوص إلى ثغرات حماية الأقليات من زاوية انعدام الآليات التي تعالج الحالات التي لا تعترف فيها دول بهوية إحدى الأقليات، والتي تُحرم فيها أقلية من الجنسية، والتي تحرم فيها أقليات من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والثقافية من الاستفادة من الخدمات العامة، والتي ينعدم فيها التركيز على تدابير منع النزاعات التي لها صلة بالأقليات والمواجهة الفعالة لحالات الطوارئ.

وأوضح التقرير أنه في هذا السياق قدمت اقتراحات تدعو إلى اعتماد حلول جديدة لإصلاح مواطن الخلل القائمة. وكان من بين تلك المقترحات إنشاء صندوق تبرعات وإعلان سنة دولية، وإقامة "إجراء خاص". وقد تركز الاهتمام بشأن الإجراء الخاص على إنشاء آلية دولية لحماية حقوق الإنسان تعالج قضايا الأقليات، ويمكنها الاضطلاع ببعثات قطرية وقبول البلاغات المتعلقة بانتهاكات حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات، ومعالجتها والإسراع في اتخاذ إجراء بشأنها.

 قضايا الأقليات في الإطار العربي

   تتسم قضايا الجماعات العرقية والدينية واللغوية والمذهبية في الساحة العربية بخاصيتين متناقضتين، فهي من أكثر إشكاليات هذا الواقع حضوراً في بعض البلدان العربية، وفي المقابل الأكثر غيابا في حقول الدراسات السياسية والاجتماعية العربية على الصعيدين الوطني والقومي. ويرجع ذلك بالطبع إلى الحساسية الشديدة تجاه قضايا الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.

   ورغم أن هذه الحساسية لا تنفرد بها المنطقة بين مناطق العالم في كل الأحوال، فقد كان لها مردود سلبي حيث تخفي أحيانا توترات اجتماعية تتحول إلى نزاعات كان يمكن تلافيها بطريق أيسر كثيراً لو تمت المكاشفة بشأنها ومعالجتها بشفافية وفي إطار ديمقراطي يوفر سبل الإنصاف.

   ويعد العالم العربي، من حيث درجة التنوع والتجانس من أكثر مناطق العالم تجانساً، إلا أن بلدانه تختلف فيما بينها من حيث درجة تنوعها الإثنى، وإذا ما أخذنا معياري نسبة الجماعات الإثنية المختلفة عن الأغلبية العربية السنية السامية الحامية إلى مجموع السكان، ومدى اندماجها اجتماعيا وسياسيا في المجتمع يمكن التمييز بين ثلاث مجموعات من الدول:

1-   مجموعة البلدان الأكثر تجانساً كمصر والسعودية والأردن وليبيا وتونس.

2-   مجموعة البلدان متوسطة التجانس والتنوع كالكويت والإمارات وعمان والجزائر .

3-   مجموعة البلدان الأكثر تنوعا والأقل تجانسا كالعراق والسودان ولبنان وسوريا واليمن والبحرين والمغرب وموريتانيا وجيبوتي.

ورغم أن التنوع الإثني واللغوي كان مصدر إثراء للحضارة العربية الإسلامية السائدة، إلا أنه تطور في بعض الحالات إلى مصدر للتوترات والصراعات الداخلية الممتدة في شكل حروب أهلية وحركات انفصالية.

   وتذهب التحليلات السائـدة إلى تفسير ذلك في إطار ثلاثة عوامل، أحدها خارجي منذ العصر الاستعماري وكان يهدف إلى إثارة الانقسامات العربية عموما، ويتعلق الثاني بخصائص النظم العربية الحاكمة وأساليبها في التعامل مع الأقليات سواء كان على نحو لا ينفصل عن تعاملها مع شعوبها عموما (كالقمع وإهمال التنميةالخ) أو في إطار أشكال من التمييز، ويتعلق الثالث بخصائص ترتبط بهذه الجماعات نفسها في إطار تفاعلها مع عوامل أخرى في المجتمع أو الخصائص الطبوغرافية المميزة لمناطق تركز بعض هذه الجماعات خصوصا في حالة امتداداتها في دول أخرى.

   وقد شكلت قضايا الأقليات نزاعات مسلحة عميقة وعديدة في بعض البلدان العربية، ونزاعات سياسية في بلدان أخرى، وشهدت أنماطاً متعددة من الحلول مثل الحكم الذاتي في إطار الوحدة الوطنية سواء في العراق (سنة 1970)، أو السودان (سنة 1972) أو المحاصصة الطائفية كما في لبنان، لكن لم تصمد هذه الحلول وتجددت النزاعات مرة أخرى.

   وتأخذ الحلول المطروحة حاليا أنماطاً جديدة تقوم على حق تقرير المصير والفيدرالية وأقرت حكومة السودان للجنوب بخيار الانفصال بعد ست سنوات من بدء سريان اتفاقيات السلام، وجسدت الجزائر اعترافها بالهوية الأمازيجية بالاستجابة لعدد من المطالب الأمازيجية ، كما اعترفت باللغة الأمازيجية كلغة مساوية للغة العربية، كما تأخذ بعض البلدان العربية بتخصيص مقاعد في مجالسها النيابية للجماعات الإثنية مثل الأردن.

   ورغم أن هذه الحلول تتسق في بعض جوانبها مع التوجهات الرئيسية للإعلان العالمي لتعزيز حقوق الأقليات وحمايتها، إلا أنها لم تخل من مخاطر على السلامة الإقليمية والسلام الاجتماعي لبعض الدول، وما لم تصبح التسويات الكبرى التي تمت في بلدان مثل السودان والعراق مقدمة لحل مشكلة الجماعات القومية والإثنية الجنوبية ببعضها البعض، وحل مشكلة علاقات الأكراد بالأقليات التركمانية والعربية في كردستان العراق، فسوف تظـل المخاطـر تحدق بالسلامة الإقليمية والسلام الاجتماعي في هذه الأقاليم.

ويظل الإطار الأمثل لحل المعضلات الصعبة بين نهجى الاستقلال والاندماج منوطًا بالعمل الدؤوب من أجل الوصول إلى حلول سلمية فى إطار ديمقراطي يسوده حكم القانون والمساواة، وتتوافر فيه سبل الإنصاف ويسعى إلى تأكيد الوحدة والسلامة والإقليمية لكل مواطني الدول.

 

المصادر :

-    د. أحمد الرشيدي، حقوق الإنسان: دراسة مقارنة في النظرية والتطبيق، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2003.

- تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن حالة الأقليات الوطنية والإثنية والدينية واللغوية وخاصة فيما يتعلق بمنع النزاعات المقدمة إلى لجنة حقوق الإنسان (الدورة 59) وثيقة(E/CN.4/2003/87- 28 Feb.2003).

-  تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية ولغوية، المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان (الدورة 59) وثيقة (E/CN.4/2003/82- 7 Feb.2003).

- د. محمود شريف بسيونى، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الأول (الوثائق العالمية)، آليات حماية وتعزيز حقوق الأقليات القاهرة 2003، ص ص 423 –429.

- إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية، وإلى أقليات دينية ولغوية، قرار الجمعية العامة رقم 47/135 في 18 ديسمبر /كانون أول 1992، وثيقة (A/RES/47/135,3 Feb 1993).

- تقرير المفوض السامى لحقوق الإنسان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية ولغوية، المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان (الدورة 60) وثيقة (E/CN.4/2004/75,24 Feb.2003).

- تقرير المفوضة السامية لحقوق الإنسان عن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية ولغوية، المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان (الدورة 61) وثيقة (E/CN.4/2005/81, 1 March .2005).

- نادر مصطفي، الأقليات في العالم العربى، رواق عربى، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، العدد 28، شتاء 2003