الدليل العربي
حقوق الإنسان والتنمية
الفهرس
تقديم
مقدمة
المشاركون في إعداد الدليل
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الإتفاقيات الدولية
التنمية القائمة على منهج
حقوق الإنسان

د.أمين مكي مدني
محام، رئيس المنظمة السودانية لحقوق الإنسان ، ورئيس مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان


إن مفهوم التنمية القائمة على منهج حقوق الإنسان، أو إدماج حقوق الإنسان في التنمية، مفهوم حديث نسبياً لم يتحقق له بعد الاستقرار أو الاستيعاب التام من جانب الجهات التنموية كافة، سواء الدول أو المجتمع المدني أو المؤسسات الممولة أو منظمات الأمم المتحدة، علماً بأن المفهوم في حد ذاته لا يخلو من صعاب وتعقيد. ففي المكان الأول، يقتضي إدراك كنه ذلك المفهوم تناول كل من مصطلحي "التنمية" و"حقوق الإنسان" منفردين، قبل الربط بينهما أو استيعاب تداخلهما، بمعنى إدماج حقوق الإنسان في التنمية.


فحقوق الإنسان، أولاً، تشكل التراث المشترك للإنسان والإطار الملائم الذي يساعد الناس على حماية أنفسهم والآخرين من الأذى، وتشكل الأدوات اللازمة لبناء المجتمع، وهي ضمانات دولية لحماية الأفراد والمجموعات ضد أي فعل أو امتناع ينتقص من الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، وقانون حقوق الإنسان الدولي يلزم الحكومات وأجهزتها المختلفة بالقيام بأفعال معينة، أو الامتناع عن القيام بأخرى، لحماية حقوق وحريات الناس الأساسية.

 والسمات الأساسية لحقوق الإنسان تكمن في أنها مضمونة دولياً ومحمية بالقانون، وترتكز على حماية كرامة الإنسان، وتحمي الأفراد والجماعات، وتضع التزاماً على الدولة وأجهزتها، ولا يجوز مصادرتها أو الانتقاص منها، كما أنها متساوية ومتداخلة ومترابطة وغير قابلة للتجزئة وعالمية. إن مبادئ وقواعد حقوق الإنسان مضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية، فضلاً عن الإعلانات والقواعد الإرشادية التي تصدرها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة، كمنظمة العمل الدولية، من حين لآخر. وتشمل تلك المبادئ:

حق الشعوب في تقرير المصير، الحق في الحياة، والحرية والأمان الشخصي، حريات التعبير والتنظيم والتجمع والتنقل، منع الإيقاف والاحتجاز التعسفي، منع التعذيب، المحاكمة العادلة، المساواة أمام القانون، عدم التمييز، حق الجنسية، حق اللجوء السياسي، حرية الفكر والعقيدة، حق الاقتراع والترشيح، والمساهمة في الحياة والمناصب العامة، حق العمل في بيئة مناسبة، والحق في الصحة، والتعليم، والسكن، والغذاء، والضمان الاجتماعي، والمساهمة في الحياة الاجتماعية والثقافية، والحق في التنمية.


وقد اتسمت جهود المجتمع الدولي منذ إنشاء الأمم المتحدة بالعمل على تعزيز حقوق الإنسان للجميع إعمالا للمادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة التي نصت على "تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً" من أجل تحقيق السلام والعدالة. هذا ما أكده زعماء العالم في العام 2000 في إعلان الألفية الثالثة، إنهم "لن يألوا جهداً لتعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً".


أما "التنمية" فلم تعد تلك المهمة المعنية بالإنماء الاقتصادي المحدد بالأرقام وموارد ومنصرفات الدولة، ومتوسط دخل الفرد، والناتج الإجمالي المحلي، والدين الخارجي، إلى ما نحو ذلك مما هو معروف في المفهوم التقليدي للتنمية. بل تطور ذلك المفهوم ليعني قيام نظام متكامل متعدد الأوجه، محوره أعضاء البشرية والمساهمة الإنسانية، وتحسين مستوى الإنسان والتوزيع العادل للثروة ورفع مستوى قدرات الإنسان، وتوسيع خياراته. وتعطي التنمية بهذا المفهوم أولوية قصوى لإزالة الفقر، وإدماج المرأة في عملية التنمية، والاعتماد على الذات، وحق الشعوب في تقرير مصيرها وسيطرتها على مواردها وثرواتها الطبيعية.


وتعتبر الأمم المتحدة التنمية وحقوق الإنسان مفهومين مترابطين ومتواصلين. يؤكد ذلك تقرير التنمية البشرية السنوي الصادر من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي ظل يؤكد على تعريف مفهوم التنمية البشرية منذ بدء إصداره في1990. وبعد بدء برنامج الأمين العام لتعزيز الأمم المتحدة في 1997، اتجه التقرير إلى تناول دور حقوق الإنسان ومواثيق حقوق الإنسان في التنمية باعتباره أساسيا في التنمية. كما أن تقرير التنمية البشرية للدول العربية الأول الصادر في 2002 أكد على أن المعرفة والحريات العامة وتمكين المرأة هي من أهم التحديات التي تواجه العالم العربي. يضيف تقرير التنمية الإنسانية العربية أن مفهوم الحرية لا يقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، بل التحرر من جميع أشكال الحط من الكرامة الإنسانية مثل الجوع والمرض والجهل والفقر، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


الحق في التنمية
يستند مفهوم الحق في التنمية إلى العديد من العهود والمواثيق الدولية، فميثاق الأمم المتحدة يؤكد على أن من أهداف الأمم المتحدة الدفع "بالرقي الاجتماعي قدماً وان نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح". و"تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً، والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء".


كما احتوى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدد من المبادئ التي شكلت ركيزة هامة لمفهوم الحق في التنمية، والتي تم تطويرها في العهدين الدوليين لسنة 1966، والعهود والإعلانات والقرارات والمؤتمرات اللاحقة الخاصة بحقوق الإنسان وبالتنمية. فبموجب قرارها رقم1161(XII) الصادر منذ نوفمبر 1957 أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إيجاد تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة أمر ضروري للإسهام في تعزيز السلام والأمن، والتقدم الاجتماعي، وتحسين مستوى المعيشة، ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأوصت المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بالتعاون مع الوكالات المتخصصة، بتكثيف جهوده في دراسة ووضع توصيات لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي المتوازن.


كما تمّ تناول الأمر في عدد من القرارات اللاحقة للجمعية العامة ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والمؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان المنعقد بطهران في ديسمبر 1968. كذلك قامت لجنة حقوق الإنسان في مارس 1981 بإنشاء فريق عمل حكومي من خبراء من 15 دولة لدراسة محتوى الحق في التنمية والسبل الفاعلة لإحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الواردة في المواثيق الدولية على مستوى جميع الدول، خاصة الدول النامية، في سعيها لتعزيز احترام حقوق الإنسان، ووضع تقرير حول إصدار مشروع وثيقة دولية لهذا الغرض. كما قامت اللجنة بتعيين خبير مستقل لدراسة التقدم في تنفيذ الحق في التنمية ودعم فريق العمل المذكور. توجت الجهود المختلفة بقيام الجمعية العامة في العام 1986 بإصدار إعلان الحق في التنمية الذي نص في مادته الأولى على ما يلي:


"الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف وبموجبه يحق لكل إنسان ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية إعمالا كاملاً." كما نصت المادة (2) على:


1- إن الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية وينبغي أن يكون المشارك النشط في الحق في التنمية والمستفيد منه.
2- يتحمل جميع البشر مسئوليته عن التنمية، فردياً وجماعياً، آخذين في الاعتبار ضرورة الاحترام التام لحقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة بهم، فضلاً عن واجباتهم تجاه المجتمع الذي يمكنه وحده أن يكفل تحقيق الإنسانية لذاته بحرية وبصورة تامة، ولذلك ينبغي لهم تعزيز وحماية نظام سياسي واقتصادي مناسب للتنمية.

3- من حق الدولة ومن واجبها وضع سياسات إنمائية وطنية ملائمة تهدف إلى التحسين المستمر لرفاهية جميع السكان وجميع الأفراد على أساس مشاركتهم، النشطة الحرة والهادفة، في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها."

هكذا جاء إعلان الحق في التنمية، على الرغم من تحفظ بعض الدول الرأسمالية الكبرى عليه، ليؤكد أنها حق من حقوق الإنسان، وليست مجرد التماس أو طلب من الأفراد يجوز للحكومة أن تستجيب له أو ترفضه وأنه، أي الإنسان، يشكل الموضوع الرئيسي، أي المحور، لعملية التنمية وأنه يجمع بين المشاركة فيها والاستفادة منها، أي انه الوسيلة والغاية من عملية التنمية.


غير أن الحقيقة على أرض الواقع لم تحقق إنجازاً كبيراً يذكر في إعمال التنمية من مرتكز حقوق الإنسان حتى بداية التسعينيات حين انعقد عدد من المؤتمرات والقمم الدولية، منها قمة الطفل بنيويورك (1990)، قمة الأرض في ريو دي جانيرو (1992) والمؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في فيينا (1993)، والمؤتمر العالمي للسكان والتنمية بالقاهرة (1994) ومؤتمر المرأة في بكين (1995)، والقمة الاجتماعية للتنمية الاجتماعية بكوبنهاجن (1995) ومؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في استانبول (1996)، والقمة العالمية للغذاء في روما (1996)، والمؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري في ديربان (1998)، وصولاً إلى إعلان الألفية الثالثة في نيويورك (2000). تلك اللقاءات التي سعت جميعها إلى التأكيد على الحق في التنمية، على اعتبارها من حقوق الإنسان غير القابلة للانتقاص بالنسبة للأفراد والجماعات. فأشار المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في "إعلان وبرنامج عمل فيينا" إلى ما يلي:
"ويؤكد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان من جديد الحق في التنمية كما هو مبين في إعلان الحق في التنمية، بوصفه حقاً عالمياً وغير قابل للتصرف وجزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية. والإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية، كما هو مبين في إعلان الحق في التنمية. وفي حين أن التنمية تيسر التمتع بجميع حقوق الإنسان، فإن انعدام التنمية لا يجوز اتخاذه ذريعة لتبرير الانتقاص من حقوق الإنسان المعترف بها دولياً.


وينبغي للدول أن تتعاون مع بعضها بعضاً من أجل ضمان التنمية وإزالة العقبات التي تعترض التنمية. وينبغي للمجتمع الدولي أن يشجع قيام تعاون دولي فعال لإعمال الحق في التنمية وإزالة العقبات التي تعترض التنمية. وإن إحراز تقدم دائم نحو إعمال الحق في التنمية يتطلب سياسات إنمائية فعالة على الصعيد الوطني كما يتطلب علاقات اقتصادية منصفة وبيئة اقتصادية مواتية على الصعيد الدولي."


جاء من ثمّ "إعلان وبرنامج عمل كوبنهاجن" لسنة 1995 الخاص بالقمة الاجتماعية، الذي أكد على "التزام الحكومات بتعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بما في ذلك الحق في التنمية، آخذين بعين الاعتبار التداخل والترابط المشترك بين الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان."أما إعلان الألفية"، فقد أكد على الالتزام بتعزيز الديمقراطية وسيادة حكم القانون واحترام جميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها دولياً، بما في ذلك الحق في التنمية، فضلاً عن بذل الجهد اللازم في تخليص بني الإنسان من ظروف الفقر المدقع المهينة واللاإنسانية.


اتسمت تلك المؤتمرات بصفة عامة بأنها تربط فيما بين موضوعاتها وتؤطر عملها، كما تغيرت المشاركة فيها بالمشاركة الواسعة لمنظمات المجتمع المدني، واهتمت بقضية متابعة تنفيذ قرارات كل مؤتمر، وأكدت على سمو سياسات التنمية والتأكيد على الاحتياجات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم وإقرار حقوق المرأة والفئات المستضعفة والمهمشة في برامج التنمية. هكذا، يتضح أن هناك نقلة حقيقية في صيرورة مفهوم الحق في التنمية من مجرد تساؤل عما إذا كان هناك حق في التنمية إلى الأمر الواقع، أي إلى مرحلة التنفيذ. غير أن العوامل المحيطة بمجال التعاون الدولي في التنمية وموقف الدول الكبرى المعارض لهذا التوجه كان، وما زال، قاصراً عن تحقيق ذلك المرام. فكما يقول أحد الخبراء إن الثمانينيات شهدت أجواء حرب باردة جديدة إذ "هاجمت اكبر الدول الرأسمالية أكثر المكونات ديمقراطية في منظومة الأمم المتحدة وقلصت مساعداتها العمومية على التنمية، كما وضعت الحواجز الحمائية متعددة الأشكال أمام سلع العالم الثالث ومواطنيه. فلم يعمل هذا سوى على تعميق أزمة التنمية واستفحال المديونية وهيمنة سياسات المؤسسات المالية الدولية التي قادت إلى استنزاف متزايد للموارد الطبيعية والإنسانية للدول، وجمدت الاستثمارات العمومية التجهيزية والإنتاجية، مقلصة فرص النمو والعمالة ومعمقة للاختلالات الاجتماعية والدولية، مفرزة أحياناً للعنف وعدم الاستقرار والمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان."(1)


ويواصل الكاتب:
"وإذا كان عقد التسعينات قد حل في البداية بعض التفاؤل في دخول العالم عهداً جديداً تتواكب فيه عولمة الديمقراطية مع عولمة الاقتصاد بانهيار أنظمة الحزب الوحيد التي كانت في الواقع ديكتاتورية الأشخاص والمؤسسات، فإن انهيار الكتلة الشرقية لم يجر تدعيمه كانتصار للديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما دعم عملياً كانتصار للرأسمالية واقتصاد السوق؟ وتمت كل الاستراتيجيات الغربية للدفع فى هذا الاتجاه بشكل يعمق التبعية للغرب الرأسمالي سياسة واقتصاداً، وباستثناءات قليلة فقد أدت محاولات الدمج السريع لهذه المجتمعات في اقتصاد السوق إلى إطلاق آلية رهيبة تطحن في دواليبها ملايين الأفراد، سرّعت بالتفكك الاقتصادي لهذه الأمم، حيث تنتشر البطالة، ويتعمم الفقر، ويتعاظم البؤس، وتزهو الجريمة المنظمة، وتنفجر الحروب."(2)
ويستطرد فيقول: "وإن إحراز تقدم دائم نحو إعمال الحق في التنمية يتطلب سياسات إنمائية فعالة على الصعيد الوطني كما يتطلب علاقات اقتصادية منصفة وبيئة اقتصادية مواتية على الصعيد الدولي."(3)


هذه الفجوة بين قبول التنمية ملمحاً أساسياً لحقوق الإنسان والواقع المعاش، أدت إلى التفاوت بين الدول الغنية والفقيرة بشكل مطرد وحرمان الملايين من مداخل التنمية الأساسية المتمثلة في التعليم، والصحة، والسكن، والبيئة، ووجود أكثر من بليون شخص في العالم ضمن فئة الفقر المدقع. كما أن حكومات الدول النامية لم تبذل الجهد اللازم لتمتع جميع المواطنين بالتنمية وحقوق الإنسان.

  "فحقوق الإنسان والتنمية المتواصلة يدعمان بعضهما بعضاً. فالتنمية لن تستمر إذا ما كانت التشريعات والقوانين لا تساوي بين الأفراد في المجتمع الواحد، أو حيث لا تتوفر حرية الرأي والتعبير، أو حيث يعيش عدد كبير من السكان في فقر مدقع. ومن ناحية أخرى تتدعم حقوق الإنسان وتقوى إذا ما نجحت جهود التنمية في خفض الفقر وتحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد، وزيادة وعي الأفراد بحقوقهم ومطالبتهم بها."(4)

التنمية القائمة على نهج حقوق الإنسان

لا بد، بداية، من الإقرار بأنه ليس هناك تعريف متفق عليه محدد لمعنى التنمية القائمة على نهج الحقRights-Based Approach to Development (RBA) ، حتى بالنسبة إلى معظم منظمات الأمم المتحدة (ربما فيما عدا اليونيسف التي بادرت باتباعه منذ عدة سنوات في تطبيق اتفاقية حقوق الطفل في برامجها (كما سيرد لاحقاً) وما زال العديد من العاملين في تلك المنظمات وفي الحكومات والمجتمع المدني يجهلون أو يقللون من مدى أهمية المفهوم بالنسبة لبرامجهم التنموية، بل قد ترى بعض المنظمات أنه ربما أعاق حركتها، أو أثر سلباً على علاقاتها بالنسبة لعدد من الحكومات بسبب حساسية موضوع حقوق الإنسان لدى تلك الحكومات.

على الرغم من ذلك، وحسب بعض الاجتهادات، يجوز تعريف التنمية القائمة على حقوق الإنسان على أنه إطار فكري أو معياري لعملية التنمية الإنسانية يؤسس على تفعيل المعايير الدولية المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان. من هذا المنطلق، فإنه يعني تأسيس التنمية على "الحق" بدلاً عن "الحاجة"، والفرق بينهما واضح وشاسع، فالحق هو ما يستحق الشخص، بمجرد كونه إنساناً، ويمكن فرضه بموجب القانون، لكفالة حقه في العيش بكرامة، ويتم تنفيذ هذا الحق في مواجهة السلطة الحاكمة، ويفرض عليها التزاماً بذلك. أما "الحاجة" فهي تطلّع أو طموح قد يكون مشروعاً، دون أن يكون مرتبطاً بأي التزام تجاه السلطة، أو أي جهة أخرى. هكذا يستند مفهوم التنمية على نهج الحق، على إدماج المعايير الدولية (الملزمة) في سياسات وخطط ومشاريع التنمية. وتستند تلك المعايير الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على عدة مبادئ هامة هي تلك التي ينبغي مراعاتها وإدماجها في عملية التنمية البشرية.(5)

 ويقتضي نهج الإدماج، بداية، تحديد أهداف التنمية من منطلق حقوق معينة، كاستحقاقات قابلة للتنفيذ مرتبطة بالمعايير القانونية الواردة في الإعلان العالمي ومواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والوطنية. ويرى الخبراء أن هذا المفهوم لنهج إدماج حقوق الإنسان في التنمية البشرية يقتضي عدة شروط منها:(6)


- تبني المعايير القانونية الدولية بالتصديق على المواثيق المعنية بحقوق الإنسان وإدماجها في برامج وأطر التنمية.

 - جعل الحكومات مسئولة بصفة مباشرة عن تفعيل تلك الحقوق بالنسبة للمجموعات والفئات المختلفة من مواطنيها بصفة حقوق وليس احتياجات ترى الحكومة جواز توفيرها.

- تقديم العون للحكومات لتفعيل تلك الحقوق وتحديد الإجراءات القانونية التي يجوز للمجتمع الدولي أو المواطنين اتخاذها في حالة إخفاق الحكومات في الوفاء بالتزاماتها.

 - تبني مؤشرات حقوقية وتنموية وإجراءات رصد منتظمة لضمان تحقيق الوفاء بتلك الالتزامات القانونية.

كما يقتضي المفهوم ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المبادئ العامة التالية المتعلقة بحقوق الإنسان والواردة في الصكوك الدولية كشروط أساسية لإدماج حقوق الإنسان في التنمية:


(أ) عالمية جميع حقوق الإنسان وتداخلها وعدم قابليتها للتجزئة:

حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للانتقاص، وهي مستحقة لجميع بني البشر ولا يمكن لهم الاستغناء عنها أو للغير أن ينتزعوها. وهي غير قابلة للتجزئة سواء كانت مدنية أو سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، ولا يمكن تفضيل بعضها على الآخر، كما أن تحقيق معظمها يعتمد على تحقيق الأخرى. فمبدأ العالمية يعني انطباق جميع حقوق الإنسان على جميع بني البشر في جميع الأوقات، كما تؤكد ذلك المواثيق الدولية. وقد أمن على هذا المبدأ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا في 1993 مع الاعتراف بوجود خصوصيات معينة بجب مراعاتها، دون أي انتقاض من المبادئ المذكورة، وأن تكون تلك الخصوصيات مصدر إثراء، وليس انتقاص، من مبادئ حقوق الإنسان الأساسية.


أما عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة فيعني أنها متساوية ولا يمكن، على سبيل المثال، تقديم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق المدنية والسياسية، أو العكس، مهما كانت الأسباب والذرائع.


(ب) المحاسبـة
يرتكز المنهج القائم على الحق على رفع درجة المسئولية والمحاسبة في عملية التنمية بتحديد أصحاب الحقوق (واستحقاقاتهم) وبالمقابل من تقع عليهم الواجبات (والتزاماتهم). وفي هذا الصدد، يؤخذ في الاعتبار الالتزامات الإيجابية (الحماية والتعزيز والعون) نحو أصحاب الحقوق، والالتزامات السلبية (الامتناع عن الانتهاكات)، فضلاً عن الواجبات الملقاة على عاتق جميع الفئات بما في ذلك الأفراد والمجتمعات والدول، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، ومانحو المعونات والمؤسسات الدولية. ويفضي هذا بالضرورة إلى تبني القوانين، والسياسات، والمؤسسات، والإجراءات، والممارسات، والآليات اللازمة للمعالجة والمحاسبة اللازمة لإيصال الاستحقاقات، والاستجابة لدعاوى الانتهاكات وضمان المساءلة، بما في ذلك أعداد وتعديل التشريعات الوطنية، وإنشاء المحاكم، وهيئات الانتصاف الإدارية، والتحكيم، واللجان الخاصة والمفوضين وخلاف ذلك، بما يؤكد ترجمة وتطبيق وانعكاس المعايير الدولية إلى وسائل محلية لقياس التقدم المحرز في حقوق الإنسان ودعم محاسبة ومساءلة الجهات المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان.


وبالنسبة لجميع حقوق الإنسان، لا بد أن تتوفر لدى الدولة ليس فقط الإرادة السياسية، بل القدرة على وضع الآليات التشريعية والإدارية والمؤسساتية اللازمة لتفعيل تلك الحقوق. فبالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على سبيل المثال، كالصحة والتعليم والسكن، ينبغي على الدولة أن تتخذ فوراً الخطوات اللازمة لضمان التمتع الفعلي "التدريجي" بتلك الحقوق "بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة", وفق ما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وان إخفاق الدولة في القيام بتلك الواجبات يشكل خرقاً لالتزاماتها بموجب نصوص العهد الدولي.


وينطبق نفس الشيء على الحقوق المدنية والسياسية الواردة في العهد الدولي الخاص بها، إذ تلتزم الدولة باحترام واتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز احترام وحماية تلك الحقوق وتفعيلها. وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة أيضاً إلى التكامل والترابط بين مختلف حقوق الإنسان، فانتهاك الحق في الصحة، على سبيل المثال، قد يثير أسئلة حول التعليم أو توافر المعرفة، أو السكن أو سبل التنقل أو مسئولية جنائية لجهة ما. وفي كل الأحوال، تكون مهمة الرصد والمتابعة أساسية لتقييم التقدم المحرز ومكامن الخلل. وعلى الرغم من أن المسئولية الأساسية في تفعيل الحقوق تقع على الدولة المعنية، فإن على المجتمع الدولي التزام هام بتطوير التعاون الدولي اللازم لدعم القدرات والموارد المادية والفنية اللازمة لمساعدة الدول النامية.

(ج) التمكيـن
كما سلف القول، ينبغي أن يستند المنهج على الحق وليس الحاجة أو الخبرة، بمعنى أن يكون المستفيدون من التنمية ملاكاً ومديرين لذلك الحق مع التأكيد على أن الإنسان محور ومرتكز عملية التنمية، مباشرة أو من خلال من يمثله، ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني. فالهدف هو إعطاء البشر القدرة والقوة والكفاءة اللازمة لتحسين حياتهم والارتقاء بمجتمعاتهم والسيطرة على مصائرهم. فهم ليسوا متلقين سلبيين بل مساهمين في عملية التنمية ومستفيدين منها. وهذا يعني استهداف توعية العديد من الفئات المختلفة للقيام بدورها المناسب في المجتمع، خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة كالفقراء، والعاطلين والنازحين، والمعوقين والمهمشين كالأطفال، والشباب، والنساء، خاصة في الأرياف والمخيمات، وتأهيلهم ببناء الثقة في أنفسهم وتنمية قدراتهم لتحسين أوضاعهم الحياتية من خلال برامج وأنشطة واقعية، والتعامل المباشر معهم من أجل ذلك، للحيلولة دون انفراد الصفوة القادرة بالتخطيط التنموي وسلطة اتخاذ القرار، ولبناء قدراتهم على التحري في أوجه الصرف العام من مخصصات حكومية ومنصرفات بذخية في المؤسسات والمشتريات على حساب الخدمات التنموية الضرورية.


(د) المشاركة
يتطلب المنهج قدراً عالياً وواسعاً من مشاركة الفئات المجتمعية المختلفة كمنظمات المجتمع المدني من جمعيات، ونقابات، وأحزاب سياسية، وأجهزة إعلام، والأقليات، والسكان الأصليين، وقوى الريف والزراعة، والمرأة، والشباب، والأطفال، والعجزة، وخلافهم، وينبغي أن تكون تلك المساهمة حقيقية وفاعلة وليست مجرد مظهر أو إشراك رمزي، إذ من الضروري إيلاء الاهتمام الكامل للانفتاح والشفافية، وإتاحة الفرصة للفئات المختلفة أن تعلم بسياسات وخطط التنمية، والتعبير عن رأيها وطرح منظورها وطموحاتها، ما يعني الطرح العلني لمشاريع البرامج والأنشطة المتعلقة بالتنمية والمؤسسات المعنية بها ونشر الوعي بها، وسبل وآليات المعالجة والإصلاح بالنسبة للمستفيدين والشركاء.


ويستند حق المشاركة على ما ورد في الشرعة الدولية حول المساهمة في الشؤون العامة من خلال الحق في التنظيم، والتجمع، والتعبير والنشر، ما يفترض وجود نظام دستوري ديمقراطي تعددي يكفل للجميع حق الاقتراع والترشح في الانتخابات الحرة المباشرة ويؤكد مشاركة الفئات الفقيرة والمستضعفة في صنع وتنفيذ القرار بالنسبة لجميع الحقوق.


إن الأمر الواقع في عدد من الدول النامية يوضح أن سياسات التحول الاقتصادي والاجتماعي لم تحقق بعد المناخ المناسب لتفجير طاقات المواطن وتفعيل دوره في صنع القرار في مواجهة مشاكل حياته اليومية، ما يقتضي اتخاذ الخطوات الكفيلة لتفعيل المشاركة الحقيقية وسد الفجوة بين حقوق المواطن الأساسية والواقع الذي يعيشه، وتوضيح الإطار المنظم للعلاقة بين الدولة والمواطن، وتدعيم شعور المواطن بالانتماء للوطن وإحياء مفهوم حقوق المواطنة، وتحديث البنية السياسية والإدارية التي تحكم علاقة المواطن بأمن الدولة. كما ورد في إحدى

الدراسات:
"ينبغي حل التناقضات القائمة بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية. ويبرز هنا مفهوم الشراكة بوصفه الصيغة المعتمدة من قبل الطرفين للتعاون على الأقل حتى الآن. لا تعني الشراكة بأي حال، التماهي بين الطرفين، فثمة ضرورة لأن تحافظ المنظمات غير الحكومية على هويتها واستقلاليتها. فهي تقتضي وجود شركاء أقوياء، وقد اتفق الخبراء في المؤتمرات والندوات الدولية على أن الشراكة في المجال التنموي هي تقاسم كل من الحكومة المركزية والمحلية في بعض السلطات مع عناصر أخرى من المجتمع كالقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والبرلمانيين والأكاديميين وغيرهم، وهؤلاء الشركاء لهم الحق في صنع واتخاذ القرار، وذلك من خلال عمليات تفاوضية مستمرة تسفر عن توزيع الأدوار على كافة الشركاء بضمان توظيف كافة الموارد المحلية، والاتفاق على وضع ضوابط محددة وملزمة لكافة الأطراف، والتي تسمح بمبادلة كل طرف، وتعتمد هذه المبادلة على مصداقية كافة الأطراف، ويقتضي مثل هذا التعاون وتقييم الأدوار تغييرات جوهرية على مستوى البنى السياسية والثقافية بما يسمح بوجود بيئة سياسية واجتماعية ديمقراطية، وتنمية القيم الثقافية التي تعززها".(7)
تشكل المشاركة في التنمية، وفق منظور البنك الدولي، آلية فاعلة:


“When primary stakeholders – individuals and community based organizations – participate in bank activities, supported activities tend to be more sustainable. There is less corruption, because processes are more transparent and government officials are held accountable to the people they serve.”(8)

ويواصل التقرير:

 


“The Bank’s shift to a more participatory approach is recent, and most of the projects employing best-practice processes are still being implemented. Even modest participation brought about improvements. Project design became more relevant as beneficiaries, many for the first time, influenced the placement of facilities such as rural roads and markets, indicated a level of service they wanted and were willing to pay for, and selected community projects they considered important.”(9)


هكذا، وبرغم العقبات التي تكتنف المشاركة في التنمية بسبب ضعف إمكانات وقدرات الفئات المجتمعية والحاجة لدعم وتطوير قدرات منظمات المجتمع المدني وغياب الممارسات الديمقراطية داخل هياكلها، فضلاً عن ضعف الإرادة الحكومية في القناعة بتبني منهج المشاركة، وقلة إسهام المنظمات الدولية في النهوض بالقدرات المحلية، تظل المشاركة المجتمعية أحد أهم عناصر دعم التنمية القائمة على منهج الحق.

 تجدر الإشارة هنا إلى تقرير الفريق العامل الذي كونه الأمين العام للأمم المتحدة في إطار تعزيز المنظمة في فبراير/شباط 2003 والذي تمّ رفعه إلى الأمين العام في يونيو/حزيران 2004 حول مشاركة المجتمع المدني في مداولات وعمليات الأمم المتحدة. احتوى التقرير على العديد من الاقتراحات نورد منها في شأن المشاركة ما يلي:
الاقتراح رقم 11:

"ينبغي أن يضطلع المنسقون المقيمون وتضطلع وكالات مجموعة الأمم المتحدة الإنمائية على الصعيد القطري بما يلزم من إعادة هيكلة وتنسيق واستثمار لتمكين الأمم المتحدة من مواجهة تحديات التربيط الشبكي عن طريق ما يلي:
* تعيين إحصائيين محليين في إشراك الجهات المستهدفة تعييناً أولياً في ما يتراوح بين 30 و40 بلداً، تتوافر فيهم مهارات التيسير والإلمام بالمجتمع المدني في البلد.


* استعراض فعالية موارد المعلومات والاتصالات الحالية على المستوى القطري، وإعادة توجيهها لدعم الاستراتيجيات والشراكات من أجل تحقيق الغايات المتفق عليها عالمياً.
* إنشاء مجموعات استشارية من المجتمع المدني كمشروع رائد في عدد من البلدان لتوجيه استراتيجية الأمم المتحدة؛ ومن الممكن النظر في إنشاء مجموعات استشارية مماثلة من قطاع الأعمال ومن الجهات المستهدفة الأخرى"(10) وفيما يخص أعضاء البرلمانات:

الاقتراح 13

"ينبغي أن تشجع الأمم المتحدة روتينيا البرلمانات الوطنية على إجراء مناقشات بشأن الأمور الرئيسية التي ستتناول في الأمم المتحدة وعلى مناقشة تلك الأمور مع الوزراء المختصين. وينبغي أن تتاح الوثائق ذات الصلة، ومن بينها تلك التي تتناول التقدم المحرز فيما يتعلق ببلوغ الغايات الإنمائية للألفية، للبرلمانات عند إحالتها إلى الحكومات. وينبغي أن يلتمس الأمين العام تعاون الاتحاد البرلماني الدولي ورابطات البرلمانيين. وينبغي أن تستشير الدول الأعضاء بانتظام أعضاء البرلمانات بشأن أمور الأمم المتحدة وأن تحصل على معلومات منهم في أعقاب الاجتماعات الرئيسية للأمم المتحدة."(11)

(هـ) المساواة وعدم التمييز
يكاد مبدأ المساواة وعدم التمييز يكون أحد أهم أركان حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان مكفولة للجميع، فقراء أم أغنياء، أميين أو متعلمين، نساء أم رجال، ويحظر القانون الدولي أي تمييز في التمتع بحقوق الإنسان لأي سبب كان، كالأصل العرقي، اللون، الدين، الرأي، اللغة، الملكية، النوع الاجتماعي أو المولد. وعليه فإن أي تمييز بين البشر يعني، بالضرورة، وضع فئة منهم في وضع احسن حالاً من الفئات الأخرى، وبالتالي الانتقاض من حقوق هذه الأخيرة، ما يقتضي بالضرورة إزالة القوانين والمؤسسات التي تتضمن تمييزاً ضد أية فئة أو فرد، وتوفير الموارد اللازمة لاستيعاب تلك الفئات أو أولئك الأفراد في الاستفادة من برامج التنمية. من هنا فإن منطلق التنمية المؤسسة على حقوق الإنسان يعني إيلاء الاهتمام الكامل للمساواة بين الجميع، خاصة الفئات المهمشة كالمرأة، والأقليات، والسكان الأصليين، والنازحين، وضحايا الكوارث، والسجناء وغيرهم. وليست هناك قائمة محددة أو موحدة عن الفئات المهمشة، فهي تختلف وتتفاوت حسب الزمان والمكان، الأمر الذي يعني أن تؤخذ الحالة الراهنة في كل بلد على حدة، للتأكد من عدم إقصاء أي من تلك الفئات أو حرمانها من فوائد التنمية.


هكذا يكون من الضروري أن تفرز المعلومات التنموية، قدر الإمكان، حسب التوزيع العرقي والديني، والإثني، واللغوي، والنوع الاجتماعي، والعناصر الأخرى ذات الصلة بحقوق الإنسان، وان يتم تحديد كيفية توزيع عوائد التنمية ومن المستفيد ومن المحروم منها. ويقتضي منهج الحق إدخال الضمانات المحددة في برامج التنمية للحماية ضد التهديد لحقوق ورفاه السجناء، والأقليات، والمهاجرين، الذين يكونون على هامش أولويات المجتمع المعني.
كما ينبغي على جميع قرارات وسياسات ومبادرات التنمية، في سعيها لتمكين الفئات المحلية، أن تضمن صراحة عدم الإخلال بالتوازن بين المرأة والرجل، ملاك الأراضي والفلاحين، العمال والمخدومين وخلافهم.

دور الأمم المتحدة
على الرغم من الصعاب والتحديات على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، ظلت منظمة الأمم المتحدة تعمل من خلال أجهزتها ووكالاتها المختلفة من أجل دعم وتطوير مفهوم الحق في التنمية وربطه بحقوق الإنسان، وقد سلفت الإشارة إلى الجهود التي بذلتها الجمعية العامة، ولجنة حقوق الإنسان، وفريق العمل الحكومي، والتي توجت بإصدار إعلان الحق في التنمية. ولم تقف الجهود عند ذلك الحد، بل توالت من خلال فريق العمل وتقارير الأمين العام وإصدار التوصيات للحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمطبوعات والتشاور مع الحكومات والمنظمات الدولية حول آليات إعمال الحق في التنمية والعقبات التي يواجهها ووسائل قياس التقدم المحرز.


في العام 1996 كونت لجنة حقوق الإنسان فريقاً جديداً من 10 خبراء لمدة عامين لوضع استراتيجية لإعمال الحق في التنمية في ضوء عمل الفريق السابق. تقدم الفريق الجديد بمقترحات حول إجراء حوار أوسع داخل الأمم المتحدة، حول إعمال الحق في التنمية وإدماجه في أنشطة آليات اللجان التعاهدية المعنية برصد أوضاع حقوق الإنسان بموجب العهود الدولية الرئيسية المعنية بحقوق الإنسان، ووضع نظم للتقارير من جانب الدول حول آلية إعمال الحق. كما اقترح استراتيجية على ثلاثة مستويات تشمل:


(i) على مستوى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية

 بمشاركة المفوضية السامية، دمج الحق في التنمية في عمل اللجان التعاهدية، ودعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية،

(ii) على مستوى الدول

 ضرورة اتخاذ التدابير التشريعية والاقتصادية لمحاربة التهميش والفقر، وتعزيز احترام حقوق الإنسان،

(iii)على مستوى المجتمع المدني

ضرورة تشجيع تلك المنظمات على المشاركة وإدماج الحق في التنمية في أنشطتهم.


وفي العام 1998، عينت لجنة حقوق الإنسان الخبير المستقل وفريق العمل مفتوح العضوية لمتابعة تطورات إعمال الحق في التنمية ودارسة وفحص تقارير الدول والمنظمات الدولية حول الصلة بين أنشطتها والحق في التنمية والعون المطلوب لذلك. كما تم تكليف المفوضية السامية بتقديم توصياتها حول العون التقني ورفع تقرير سنوي إلى اللجنة. كما قدم الخبير المستقل عدة تقارير حول آثار السياسات الاقتصادية والمالية الدولية على ممارسة حقوق الإنسان واقترح ميثاقاً للتنمية يتضمن: برنامجاً للتنمية المبنية على احترام الحقوق وعلى العدالة والمشاركة والشفافية؛ تقليص الفقر وفق آلية للتقييم؛ ومواثيق للتنمية بين الدول النامية والمجموعة الدولية؛ وآليات للمراقبة والرصد فضلاً عن اللجان التعاهدية.


تقدمت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في العام 2002 بتقريرها إلى اللجنة متضمنا أنشطتها والدعم التقني والإداري لفريق العمل، ومساعدة الخبير في مجال البحث وتنظيم عدة حلقات دراسية في مختلف الدول عن الحق في التنمية، والعمل مع الأجهزة والآليات المختلفة المعنية بحقوق الإنسان.
في طرحه برنامجه لإصلاح منظمة الأمم المتحدة عام 1997، أكد الأمين العام للمنظمة أن حقوق الإنسان تشكل جزءاً أساسياً من جهود تعزيز السلام والأمن والرفاه الاقتصادي والأمن الاجتماعي، وأن الأمم المتحدة ظلت منذ نشأتها، كمنظمة دولية، تعمل بفاعلية من أجل تعزيز حقوق الإنسان، ووضع المعايير اللازمة لرصد الالتزام بالمواثيق الدولية وفي ذات الوقت، مع مراعاة التباين الوطني والثقافي. وعليه، يقول الأمين العام، إن موضوع حقوق الإنسان يعتبر نقطة تقاطع Cross-Cutting لجميع برامج وأنشطة الأمانة العامة الأربعة: السلام والأمن، الشئون الاقتصادية والاجتماعية، التعاون التنموي، والشئون الإنسانية، الأمر الذي يعطي للمفوض السامي لحقوق الإنسان قاعدة محورية ومؤسسية قوية لقيادة مهمة المنظمة في مجال حقوق الإنسان. نجم عن ذلك، تعيين المفوض السامي عضواُ في اللجان التنفيذية الأربع في برامج الأمانة العامة المذكورة.


أصدرت المنظمة تباعاً لذلك، "القواعد الإرشادية للمنسقين المقيمين Resident Coordinators حول الأمم المتحدة وحقوق الإنسان"(12). ووجهت القواعد المنسقين المقيمين أن يأخذوا دائماً بعين الاعتبار أن عمل الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان مؤسس بصلابة على قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ومن ثم وجب عليهم الإلمام بمعايير حقوق الإنسان وآلياتها، وسياسات وعمل المفوض السامي لحقوق الإنسان، والوكالات الأخرى العاملة في مجالات التنمية خاصة في تعزيز وحماية حقوق الإنسان، وأن يحترموا بإخلاص ويمثلوا ويعززوا مبادئ حقوق الإنسان ومعايير وسياسات المنظمة. أقرت القواعد أن أوضاع حقوق الإنسان تتفاوت من بلد إلى آخر، ووجهت المنسقين المقيمين بالاستعانة بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان للنصح في تحليل أوضاع حقوق الإنسان وصوغ السياسات ووضع خططهم في مجال حقوق الإنسان في البلاد التي يعملون بها، كما طلبت منهم مد مكتب المفوض السامي بالمعلومات والإرشادات اللازمة في إطار البرنامج القطري وتبادل الخبرات حول الإنجازات والصعاب والدروس المستفادة من خبراتهم في شئون حقوق الإنسان.


هكذا، بدأت تتضح معالم إدماج حقوق الإنسان في التنمية وتوجيه فرق الأمم المتحدة القطرية العاملة في مجالات التنمية UN Country Teams بالعمل سوياً في إدخال مبادئ ومعايير حقوق الإنسان في وضع سياساتهم وبرامجهم وأنشطتهم التنموية. وقد سعت مجموعة الأمم المتحدة التنموية بإصدار التوجيهات اللازمة إلى الوكالات العاملة في الميدان حول ضرورة إدماج حقوق الإنسان في البرامج والأنشطة بالتعاون فيما بينهم وبالتعاون مع الحكومات ومؤسسات وجمعيات المجتمع المدني. وفي تقريره حول تقوية منظمة الأمم المتحدة في سبتمبر 2002Action 2، أكد الأمين العام على ضرورة المزيد من التغيير، مؤكداً أنه على الرغم من أن ثمة تقدماً قد طرأ في مجال إدماج حقوق الإنسان في التنمية في أجهزة الأمم المتحدة، فالحاجة ما زالت تدعو إلى مزيد من العمل، ودعم قدرات المنظمة لمساعدة الدول في بناء مؤسسات لحماية حقوق الإنسان، ومراجعة نظام الإجراءات الخاصة التابع إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (المقررين الخاصين، فرق العمل، الخبراء) ليكون أكثر فاعلية واتساعاً، وإعادة النظر في نظام التقارير التي ترفع إلى اللجان التعاهدية بموجب مواثيق حقوق الإنسان، وتقوية مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان.


المفوض السامي لحقوق الإنسان
يتولى مكتب المفوض السامي الدور القيادي في مجال حقوق الإنسان على مستوى العالم بتقديم العون الفني للدول والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني في مجالات الحماية والتعزيز، وتقديم الخبرة والمعلومات حول إدماج حقوق الإنسان في التنمية، وفي حسم النزاعات والعدالة الانتقالية وحفظ السلام. وكما سلف القول، أكد برنامج إصلاح المنظمة لسنة 1997 على تقاطع حقوق الإنسان مع جميع برامج وأنشطة الأمم المتحدة، وأكد دور المفوض السامي لقيادة مهمة المنظمة في مجال حقوق الإنسان. كما أكد الأمين العام في برنامجه لتقوية الأمم المتحدة في 2002 للدول الأعضاء، على ضرورة النهوض بقدراتهم وبإنشاء أجهزة وطنية لحماية حقوق الإنسان، وأن المفوض السامي قد شرع بالفعل في العمل مع فرق الأمم المتحدة القطرية لإحقاق تلك الأهداف. وأشار الأمين العام إلى حاجة الفرق القطرية وصناديق وبرامج الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة في كيفية إدماج حقوق الإنسان في التنمية في البرنامج القطري، وهذا يقتضي، برأي الأمين العام، أن تتوفر لدى مكتب المفوض السامي القدرات على تدريب فرق الأمم المتحدة القطرية وتقييم وتوزيع التجارب الرائدة في هذا الصدد وتنمية آليات الرصد لتقييم أثر برامج حقوق الإنسان. كما يضع المفوض السامي لحقوق الإنسان، بالتعاون مع مجموعة الأمم المتحدة للتنمية، واللجنة التنفيذية للشؤون الإنسانية، خطة عامة لتعزيز ودعم حقوق الإنسان على المستوى القطري.


في مجال عمل المفوضية السامية في التنسيق بين مؤسسات الأمم المختلفة حول إعمال الحق في التنمية، سعت المفوضية إلى حث الوكالات المختلفة على دمج حقوق الإنسان في التنمية، ومساعدتها بالعون الفني في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وأخذها بعين الاعتبار في مشاريع وأنشطة الوكالات المختلفة وصياغة التوجيهات والقواعد الإرشادية للعاملين في ميدان التنمية. وقد أبرمت المفوضية السامية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 1998مشروع تقوية حقوق الإنسان "هورست" HURIST

 لدعم حقوق الإنسان في برامج وأنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المجالات المختلفة، وتتعاون المفوضية السامية مع الوكالات الأخرى في مجالات المرأة، ومكافحة الإيدز، ومحاربة الفقر، وتنفيذ أهداف الألفية الثالثة التي يأتي الحديث بشكل أوسع عنها فيما بعد. هكذا، فإن دور مكتب المفوض السامي دور أساسي في إدماج حقوق الإنسان في برامج التنمية، ليس من زاوية سرد المبادئ والقواعد المتعلقة بالمشاركة والمحاسبية والتمكين فحسب، بل بتوفير

المعلومات والخبرات العملية الرائدة والدروس المستفادة من تجارب الآخرين في إدماج حقوق الإنسان في برامج وأنشطة التنمية، وأثر تلك البرامج على أوضاع حقوق الإنسان في البلد المعني، وكيف يمكن لمواطني ذلك البلد محاسبة حكوماتهم والمجتمع الدولي على الإخفاق في إعمال تلك الحقوق. ويجوز الاستفادة بخبرات الوكالات الأخرى كمنظمة اليونسيف UNICEF التي سبقت ولأمد طويل في إدماج حقوق الإنسان في التنمية، وكذا مكتب العمل الدولي ILOوصندوق الأمم المتحدة للسكانUNFPA وكير CARE وأوكسفام OXFAM .


ينبغي على الوكالات المنفذة لبرامج التنمية التأكيد على أن إدماج حقوق الإنسان في التنمية ذو أثر إيجابي في تحسين أداء تلك الوكالات وأن يكون ذا قيمة إضافية حقيقية. وفي هذا السياق، تضمنت خطة إصلاح الأمم المتحدة الثانية عدداً من التقارير تقترح تعيين خبير حقوق إنسان في جميع وحدات SURF (13) ليعمل مع فرق الأمم المتحدة القطرية، وأن تقوم الوكالات المختلفة بإرسال موظفي البرامج لديها لتلقي الخبرات مع مكتب المفوض السامي واللجان التعاقدية، وأن يقوم مكتب المفوض السامي باستقطاب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصناديق التنمية الإقليمية للقيام بأدوارها في التفاعل مع آليات اللجان التعاقدية، وبصفة عامة، التأكيد على التنمية القائمة على منهج الحق في عمـل الأمـم المتحدة.(14)


في جميع الأحوال، وكما سلفت الإشارة، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن إدماج حقوق الإنسان في التنمية ليس بالأمر اليسير، والذي يمكن أن يتحقق بصفة عاجلة، إذ إنه يقتضي تغييرات قيميه ومنهجية داخل وخارج الأمم المتحدة، وينبغي على مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن
يلعب دوراً هاماً في طرح مبادئ حقوق الإنسان خارج الأطر الفنية والقانونية المجردة، وذلك عن طريق استعمال، والإفادة من، التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي CCA/UNDAF (15)، وتقارير أهداف الألفية، وأوراق استراتيجية خفض الفقر، فضلاً عن عمل اللجان التعاقدية والإجراءات الخاصة في إطار عمل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كما سيتضح لاحقاً.


في هذا السياق، يبذل مكتب المفوض السامي جهوداً حثيثة في وضع الإرشادات التي تساعد على إنفاذ المواثيق الدولية وبرامج حماية حقوق الإنسان. شمل ذلك حتى اليوم الإرشادات المعنية بالاتجار بالبشر Trafficking والإرشادات الخاصة بنقص المناعة المكتسب HIV/AIDS (الإيدز). وبناء على طلب لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أعد مكتب المفوض السامي مشروع الإرشادات الخاصة باستراتيجية خفض الفقر(16) التي أقرها المفوض السامي في سبتمبر 2002، غير أن تلك الإرشادات ما زالت قيد البحث. وقد تمّ إعدادها بعد مشاورات مكثفة مع وكالات الأمم المتحدة ووكالات التنمية الدولية، خاصة البنك وصندوق النقد الدوليين، ومع منظمات المجتمع المدني، وسيرد الحديث عنها عند تناول موضوع مكافحة الفقر.
هكذا، فإن الأدوات المختلفة المتاحة للمفوض السامي تشمل التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي، وأهداف الألفية، واستراتيجيات مكافحة الفقر, والتفاعل مع عمل اللجان التعاقدية والإجراءات الخاصة بلجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ويتسنى للمفوض السامي تدريب المنظمات غير الحكومية على إعداد "تقاريـر الظـل" المقدمة إلـى اللجان التعاقدية، وحضور جلسات اللجان ومتابعة تنفيذ قراراتها. كما يمكن كل ذلك للوكالات المتخصصة وفرق العمل القطرية.


في إطار تطوير عمل المؤسسات التنموية المختلفة تولى مكتب المفوض السامي إعداد وتطوير القواعد الإرشادية Guidelineلتنفيذ المواثيق والبرامج الخاصة بحقوق الإنسان. وقد تمكن المفوض السامي من إعداد عدة قواعد إرشادية شملت: (أ) مشروع استراتيجيات مكافحة الفقر؛ (ب) فيروس نقص المناعة/الإيدز HIV/AIDS ؛ (ج) الاتجار بالبشر Trafficking.


بالنسبة لفيروس نقص المناعة/الإيدز، أصدر مكتب المفوض السامي بالتعاون مع المنظمة المعنية بذلك المرض UNAIDS القواعد الإرشادية الدولية حول الإيدز وحقوق الإنسان في 1998 كآلية تساعد الدول في إعداد وتنسيق وتنفيذ استراتيجيات وطنية. تشكل القواعد الإرشادية إطاراً مؤسساً على حقوق الإنسان للتعامل مع المرض موضحاً كيف تنطبق معايير حقوق الإنسان بالنسبة للمرض، وترجمتها إلى إجراءات عملية للأخذ بها على المستوى الوطني وفق ثلاثة مناهج:


* تحسين قدرات الحكومات في التنسيق بين القطاعات المختلفة وفي المحاسبة.
* مراجعة وتطوير القوانين والخدمات القانونية بالتركيز على منع التمييز.
* حماية الصحة العامة، وتحسين أوضاع المرأة والطفل والفئات المهمشة.
* تعزيز مساهمة المجتمع والقطاع الخاص للتجاوب الأخلاقي الفعال مع المرض.
أما بالنسبة لمسألة الاتجار بالبشر، فقد تضمنت القواعـد الإرشاديـة عدة بنود شملت:
* الإقرار بأن انتهاكات حقوق الإنسان سبب ونتيجة للاتجار بالبشر، ما يؤكد ضرورة احترام وحماية حقوق الإنسان واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاربة الظاهرة.
* تعريف هوية الضحايا وتوعيتهم بقوانين الهجرة وحمايتهم من المحاكمة والعقاب لمخالفة قوانين الهجرة أو احتجازهم.
* إجراء البحوث والدراسات ووضع الإحصائيات والمعلومات حول الضحايا وحمايتهم.
* مراجعة وإعداد القوانين بموجب المعايير الدولية لتعريف الظاهرة ومعاقبة المجرمين المسؤولين عنها ومصادرة أدواتها وعوائدها المادية وحماية الشهود.

* تدريب وتنمية قدرات رجال إنفاذ القانون المعنيين بمحاربة الظاهرة وإبعادها.

* توفير سبل العيش الكريمة وإعادة تأهيل الضحايا ومدهم بالعون القانوني والتعليم والرعاية الصحية.
* تبني إجراءات خاصة لحماية ورعاية الضحايا الأطفال.
* التعاون بين الدول والأقاليم في محاربة الظاهرة.

تجربة اليونيسف
تعد تجربة منظمة اليونيسف تجربة رائدة في مجال إدماج حقوق الإنسان في التنمية، إذ ظلت المنظمة تحدد سياساتها وبرامجها وأنشطتها مباشرة بناء على اتفاقية حقوق الطفل منذ إبرامها، وتشكل التجربة منهجاً جيداً ودرساً ينبغي أن تستفيد منه المنظمات الأخرى في إدماج مبادئ اتفاقيات حقوق الإنسان ذات الصلة ببرامجهم وأنشطتهم.


تبذل اليونيسف جهوداً حثيثة في عون الحكومات والمنظمات غير الحكومية في إعداد التقارير، وحضور مداولات لجنة حقوق الطفل المنشأة بموجب الاتفاقية. ويشارك موظفو اليونيسف القطريون بصورة منتظمة في اجتماعات اللجنة والمشاورات مع الآخرين حول إعداد أنشطة المنظمة. وتكاد تكون لجنة حقوق الطفل الوحيدة بين اللجان التي تقوم بدارسة وتحليل المعلومات الواردة لها ذات الصلة بالاتفاقية بناء على جهود المنظمة، وإيصال قرارات وتوصيات اللجنة إلى العاملين في مجال التنمية، وتحديد التقدم الذي تم إحرازه بواسطة الحكومات منذ تقرير اللجنة السابقة، ما يجعل تفاعل اللجنة اكثر إيجابية من مجرد استلام التقارير والتوصل إلى قرارات وتوصيات قانونية بحتة، بعيداً عن التفاعل الجاد مع الحكومة والمجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة بما يبرز أهمية وفاء الدولة بالتزاماتها، بخلاف الحالات الأخرى التي تقدم فيها الوكالات معلومات دون الأخذ بعين الاعتبار تفسيرات اللجنة.


كما يشكل هذا الأسلوب عاملاً هاماً لمتابعة قرارات وتوصيات اللجنة من خلال برامج التعاون الفني، ما يعني أن اتفاقية حقوق الطفل لم تعد فقط وثيقة لحقوق الإنسان فحسب، بل أداة للتغيير بالنسبة إلى السياسات الوطنية بشأن الطفل، ما يعد حافزاً للفرق القطرية ومكتب المفوض السامي في التلاقح مع الاتفاقيات الست الرئيسية المعنية بحقوق الإنسان.

التعاون الدولي
إلى جانب دور الأمم المتحدة في إعمال الحق في التنمية، فإن على المجتمع الدولي التزامات واضحة في تفعيل السلام والأمن والاستقرار الدولي، وكما ورد في ميثاق الأمم المتحدة في ادته الأولى:
"إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملازمة لتعزيز السلم العام."


"تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية.."


ولتفعيل الحقوق الاقتصادية والتنموية نصت المادة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن:


"تتعهد كل دولة طرف في العهد الحالي أن تقوم منفردة ومن خلال المساعدة والتعاون الدوليين باتخاذ الخطوات، خاصة الاقتصادية والفنية، ولأقصى ما تسمح به مواردها المتوافرة من أجل التوصل تدريجياً للتحقيق الكامل للحقوق المعترف بها في العهد الحالي.."


غير أن هذه المبادئ السامية لا تعكس الواقع المعاش في العلاقات الدولية اليوم. فالدول الصناعية، أو الرأسمالية، المتقدمة لا تقر بأن عليها واجبات نحو تنمية الدول الفقيرة، التي تنادي بالتنمية كحق من حقوقها الإنسانية، بل تعتبر الدول الغنية أنها تساعد الدول النامية من منطلق المنحة أو التبرع منها، وليس من واقع واجب أو التزام يقع على عاتقها. من جانب آخـر، تثيـر قضايا آثار العولمة واقتصاد السوق وأشراط صندوق النقد والبنك الدولي حول التكيف الهيكلي والخصخصة أسئلة كثيرة حول مدى فاعلية التعاون الدولي وأثره على إنماء الدول الفقيرة.

كما أن لمنظمة التجارة الدولية تداعيات كثيرة حول السيادة الوطنية وإخضاع الدول الفقيرة لأسواق الدول الغنية، وإلغاء التجارة التفضيلية، وإغراق الأسواق بمنتجات الدول الصناعية على حساب منتجات الدول الفقيرة، والإصرار على معاملة المصارف والمصانع الغريبة معاملة المواطنة وآثار ذلك على مصارف وصناعات الدول الفقيرة وخفض البطالة وبوار المنتجات الزراعية، كل ذلك يثير عدة أسئلة حول ما إذا كان النظام العالمي الجديد يتلاءم مع شعارات التنمية ومبادئ حقوق الإنسان الواردة في الشرعة الدولية. ويبدو أن هناك تضارباً واضحاً بين القانون الدولي العام المتمثل في العهود والمواثيق الدولية والقانون الدولي الخاص الذي تؤسس عليه منظمة التجارة الدولية ومقتضيات مؤسسات التمويل الدولية.

وسائل إدماج حقوق الإنسان في التنمية

(أ) هورست HURIST -
كما سلف الذكر، بموجب مذكرة تفاهم موقعة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في 1998، تم الاتفاق على إنجاز برنامج موحد بين المؤسستين لتعزيز إدماج حقوق الإنسان في التنمية في برامج وأنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مـن خلال تطوير القواعد الإرشادية والمنهجية وإيجاد أنجع السبل والاستفادة من التجارب والخبرات السابقة في تعزيز القدرات الوطنية لحماية حقوق الإنسان وفي إدماج حقوق الإنسان في البرامج التنموية. وتشمل المذكرة الأنشطة التالية:


- تبني خطط وطنية لحقوق الإنسان.
- تعزيز إدماج حقوق الإنسان في التنمية في برامج ونشاطات برنامج الأمم المتحدة للإنماء.
- تشجيع التصديق على المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
- آثار العولمة على حقوق الإنسان.
- تشجيع مبادرات تعزيز قدرات حقوق الإنسان الوطنية والاستعانة بمطوعي الأمم المتحدة (UNVs)

 صدرت قواعد العمل الإرشادية للبرنامج في أكتوبر/تشرين أول 2004 لدعم أنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من منطلق حقوق الإنسان وتأسيس البرامج المستقبلية على ذلك في بعض الدول المختارة، وتمت مراجعتها في ندوة ستانفورد في مايو/أيار 2003 لتشمل إدماج حقوق الإنسان في التنمية، وأخيراً في مايو/أيار 2004 لتشمل معايير قياس ومراجعة منهج إدماج حقوق الإنسان في التنمية.


كان الغرض من ذلك عون العاملين في مجال التنمية في إدخال معايير حقوق الإنسان بشكل محدد واستناداً على المعايير الدولية في جميع برامجهم التنموية في جميع القطاعات، والمساهمة في منهجة بناء مجتمعات مؤسسة على سيادة حكم القانون وبناء القدرات الوطنية لإحقاق حقوق الإنسان، بمعنى تطوير قدرات من عليهم الالتزامات للوفاء بها، وقدرات أصحاب الحقوق – المستفيدين – للمطالبة بحقوقهم.


وتشير قواعد العمل الإرشادية إلى أن الخبرة قد أوضحت أن منهج إدماج حقوق الإنسان في التنمية يقتضي "الإعداد الجيد للبرامج"، وأن هذا الإعداد الجيد للبرامج لا يشكل بمفرده منهجاً لإدماج حقوق الإنسان في التنمية، بل، لكي يكون كذلك، يحتاج إلى عناصر إضافية هامة هي:

* تحديد وتقييم وتحليل مطالب حقوق الإنسان بالنسبة لأصحاب الحق وبالمقابل التزامات من يقع عليهم الالتزام، مع تحديد الأسباب الأساسية والمباشرة لعدم الوفاء بتلك الحقوق.
* تحديد وبناء قدرات أصحاب الحقوق للمطالبة بحقوقهم وقدرات من يقع عليهم الالتزامات للوفاء بها.
* التزام البرامج برصد وتقييم النتائج والعمليات التي تسترشد بمبادئ ومعايير حقوق الإنسان.
* تعريف البرمجة بتوصيات لجان وآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
كما أضافت القواعد عناصر أخرى إضافية حول البرمجة الجيدة شاملة: اعتبار الأشخاص فاعلين أساسيين في التنمية، المشاركة كأسلوب وهدف، الاستراتيجية جزء من التمكين، التحليل يشمل الجميع، التركيز على المهمشين، عملية التنمية ملك وطني محلي، مساءلة الجميع عن مساندة ودعم البرامج.


تمكنت "هورست" خلال الفترة المنصرمة من نشر الوعي بثقافة حقوق الإنسان وسط عدد من موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتعزيز قدراتهم في هذا الصدد في عدد من الدول، وما زالت تسعى إلى تطوير مفهوم إدماج حقوق الإنسان في التنمية.

وقد تمت مراجعة وثيقة "الهورست" لتركز بصفة أكثر على منهجية التنمية والدروس المستفادة من تجارب الآخرين في بناء القدرات في إدماج حقوق الإنسان في برامج وأنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ سياسات التنمية المنحازة إلى الفقراء، فيروس نقص المناعة/الإيدز، البيئة واستعمال الطاقة؛ مؤسسات الحكم واللامركزية، السكان الأصليين.


كمـا تسعى "هورست" إلـى تطويـر بعض الآليات المتعلقة بالبرمجة القائمة على حقوق الإنسان كإدماج حقوق المرأة، والمشاركة، وإجراءات تقييم الأداء التنموي. وتتكون عناصر تلك المساعي من العون في إعداد المواد الإرشادية ومنهجية البرمجة والدروس المستفادة والأساليب المثلى التي تعبر عن مفهوم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفعلي لعملية إدماج حقوق الإنسان في التنمية.

شملت تلك الجهود العمل في مجال اللجان التعاقدية لحقوق الإنسان، التوعية والتدريب، التصديق على الاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان، ورفع التقارير الدورية، وإعداد الخطط الوطنية لحقوق الإنسان.

 تدار "هورست" بواسطة لجنة تسيير مكونة من موظفين قياديين لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. تجتمع اللجنة سنوياً لوضع السياسات والبرامج، كما تقوم هيئة إدارية من منسقين للطرفين بتصريف الأعمال اليومية والإدارية.

 ويتم تقييم أداء "هورست" بواسطة الطرفين خلال العام الحالي. وعلى الرغم من إنجاز بعض النجاحات، كما تقدم، فإن نقص القدرات البشرية الفنية في كل من المؤسستين لم يعن على تحقيق الهدف المرجو من البرنامج وإن إيجاد تلك القدرات يظل أمراً ضرورياً لتحقيق تلك الغايات. هذا ما حدا بالقائمين على إدارة المشروع المبادرة إلى مراجعته للتركيز على إدماج حقوق الإنسان في التنمية بغرض أن تكون أهداف الألفية في صميم أعمال المشروع، مع تعزيز البرمجة والمنهجية (المؤشرات والرصد والتقييم)، ما يقتضي تجزئة المعلومات بحسب النوع الاجتماعي، الإثنية، العنصر، السن، الإعاقة.. وخلافه، بما يوضح درجة أو مدى التهميش أو التمييز، ويحدد الميزانيات المقررة لكل من تلك الفئات، ويبرز مبدأ التقدم "التدريجي" الذي ورد في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحسب الحال في كل بلد، علماً بأن تلك الحقوق تشكل لب عمل الفرق القطرية والأداة الأقرب لتنسيق برامجها.


(ب)- التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي CCA/UNDAF
يعتبر "التقييم القطري المشترك" (CCA) و"إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي"UNDAF من أهم الأدوات الاستراتيجية للتخطيط التنموي ولإدماج حقوق الإنسان في التنمية، إن أحسن استخدمهما وتوافرت النوايا الجادة والقناعة بالمنهاج، فضلاً عن توفر الإدراك الفني والقدرات البشرية من جانب العاملين في البرمجة.


فالتقويم القطري المشترك هو خلاصة الجهود المشتركة للحكومة و"فريق الأمم المتحدة القطري" UNCT بمشاركة الخبراء وممثلي المجتمع المدني لدراسة وتحليل أوضاع البلد الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحديد حاجياتها وأولوياتها التنموية. وتستند المهمة على الرصد القطري وفق مناهج تحليلية مختلفة مثل: تقارير التنمية البشرية، ونتائج عمل البنك الدولي في القطاعات المختلفة، وتقارير اللجان التعاقدية المعنية بحقوق الإنسان المكونة بموجب العهود والمواثيق الدولية.

ويهدف تقرير التقييم لمسح حاجيات وتحديد أولويات القطر المعني، والعون في تطوير الخطة الوطنية وبلورة الاستراتيجيات، كاستراتيجية الحد من الفقر وبرامج الاستثمارات القطاعية(Sector/Investment Plans)، كما يعين التقرير في رصد التقدم المحرز في تحقيق أهداف الألفية MDGs من خلال التقارير الخاصة بذلك التي تعدها الأمم المتحدة والحكومة والشركاء الآخرين.


أما إطار الأمم المتحدة للتعاون الفني فهو أداة التخطيط لبرامج ومشاريع عمل الأمم المتحدة، ويستند أساساً على التقييم القطري والاستراتيجيات والبرامج الأخرى المختلفة، ويشكل الإطار مدى استجابة فريق الأمم المتحدة القطري لأولويات الاحتياجات القطرية التي احتوى عليها التقييم القطري، كما يشكل ركيزة عمل الفريق القطري وتحديد الجهات المشاركة والكلفة والتنفيذ والإشراف على المشاريع.


صدرت "الإرشادات" Guidelines الخاصة بالتقييم القطري المشترك وإطار التعاون التنموي للأمم المتحدة في أبريل 1999 استجابة لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة لإصلاح المنظمة في إطار وضع استراتيجية محددة لأهداف تنموية مشتركة. وبعد تبني إعلان الألفية وقيام الأمين العام بوضع "خريطة طريق" في 2001 لتنفيذ أهداف الإعلان، رؤي في العام 2002 أنه من الضروري مراجعة الإرشادات لدعم التنمية والحد من الفقر المدقع، ودعم عملية بناء السلام ووقف النزاعات المسلحة.

 وقد أشار هذا الجيل الثاني من الإرشادات إلى أن الإطار الزمني وعملية الجدولة تحددها حاجيات البرمجة الموحدة بين وكالات الأمم المتحدة المختلفة في إطار صياغة البرنامج القطري. ويخضع مشروع "البرنامج القطري" Country Programme للنقاش والتداول في مجموعة التنمية للأمم المتحدة (UNDG) في نيويورك سنوياً وبعد إجازة البرنامج تتم إحالته إلى الحكومة المعنية والوكالة الدولية للبدء في تنفيذه.

 ويخضع التقييم القطري وإطار التعاون التنموي حالياً للمراجعة بواسطة مجموعة الأمم المتحدة التنموية بهدف تقييم التجربة السابقة والدروس المستفادة، والأخذ بعين الاعتبار توصيات ورشة عمل وكالات الأمم المتحدة الثانية حول التنمية القائمة على منهج حقوق الإنسان المنعقد في ستامفورد، 5-7 مايو/أيار 2003. وقد أنشئت المجموعة التنموية في 1997 لوضع التوصيات حول السياسات والقواعد الإرشادية لتطوير فاعلية فرق الأمم المتحدة القطرية خاصة في جهود تنفيذ أهداف الألفية.


في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى استحداث منصب المنسق المقيم للأمم المتحـدة UN Resident Coordinator الذي يقود الفريق القطري، إذ يتولى المنسق المقيم تنسيق جهود وبرامج أنشطة جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة داخل البلد المعني أو من خارجه (الممثلون الإقليميون أو ممثلو رئاسة المنظمة، بحسب الحال).

 ويعمل المنسق المقيم مع الحكومة والشركاء الآخرين والوكالات التنموية الأخرى كالتقييم القطري المشترك، وإطار التعاون التنموي والأنشطة الأخرى كالاحتفاء بيوم الأمم المتحدة. إن أهمية الوثيقتين تكمن في أن كلاً منهما تؤسس على إدماج حقوق الإنسان، والانتقال بالتنمية من مرحلة "النفع" أو "الحاجة" إلى مرحلة الحق From benefit to right وللتأكيد على الدور الموحد للأمم المتحدة ككل في عملية التنمية، وذلك باعتبار أن حقوق الإنسان تتقاطع Crosscutting في جميع مجالات عمل الأمم المتحدة حسب ما ورد في برنامج الأمين العام لإصلاح المنظمة. جدير بالذكر أن حوالي 100 دولة أتمت دراسة التقييم القطري وأكثر من 80 إطار تعاون تنموي حتى نهاية العام 2003.


كما سلف القول، فإن عملية إدماج حقوق الإنسان في التنمية، بصفة عامة، تشكل توجهاً حديثاً في إطار عمل المنظمة الدولية، وتستلزم الوقت الكافي لاستيعابها، فضلاً عن تنمية القدرات البشرية، خاصة لدى مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، للمشاركة في إعداد الوثيقتين بهدف رصد تأسيس البرامج والنشاطات التنموية وفق معايير حقوق الإنسان، وتوافر القناعة التامة والالتزام لدى الفريق القطري بقيادة المنسق المقيم ومجموعة الأمم المتحدة التنموية بنيويورك على تضمين حقوق الإنسان في البرامج والنشاطات المختلفة باتفاق مع الدول المعنية، مع تجاوز تحفظ بعض العاملين من توجس الحكومات من إثارة مسألة حقوق الإنسان، خاصة تلك التي يطرحها الأجانب الذين يمثلون النسبة الأكبر، إن لم تكن الكاملة، في المؤسسات الدولية.

(ج) أهداف الألفية الإنمائية MDGs
في العام 2000 صدر إعلان الألفية الثالثة إبان قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة عن 191 دولة من بينهم 147 رؤساء دول، مركزاً على الأمن والسلام، والعدل، وحقوق الإنسان، والحكم الرشيد، والعولمة، والحق في التنمية، شاملة جميع قرارات وتوصيات المؤتمرات والقمم التي انعقدت خلال التسعينيات، والتي سلفت الإشارة إليها، فضلاً عن المبادئ والمواثيق والمعايير الدولية ذات الصلة، وقد تضمنت أهداف الألفية ثمانية أهداف رئيسية بأمل تحقيقها بحلول العام 2015 وهي:
(1) تخفيض حدة الفقر والجوع إلى النصف.
(2) إحقاق التعليم الأولي للجميع.
(3) تعزيز مساواة النوع الاجتماعي وتمكين المرأة.
(4) تخفيض وفيات الأطفال دون الخامسة بحد الثلثين.
(5) تحسين الصحة الإنجابية بحد الثلاثة أرباع.
6) مكافحة فيروس الإيدز ومرض الملاريا والأمراض الأخرى.
7) تحسين البيئة بشكل مستدام.
8) تعزيز المشاركة الكونية في التنمية. يتضح جلياً إن جميع أهداف الألفية الإنمائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ حقوق الإنسان الواردة بالمواثيق الدولية التي تلتزم بـها الـدول المختلفة،(17) في حين أن أهداف الألفية نفسها لا تشير صراحة إلى المواثيق الدولية وعليه فهي ليست ملزمةً بذات القدر من الناحية القانونية، لكنها تضفي بعداً سياسياً على جميع الدول، خاصة تلك التي لم تصادق على الاتفاقيات المذكورة. وعليه فإن الإعلان يشكل دعماً لرصد الوفاء بالالتزامات الدولية.


فحقوق وأهداف الألفية يمكن اعتبارهما مجموعتين من التزامات مترابطتين ومتداخلتين، فبينما تتبنى إطاراً معيارياً ملتزماً ومنسقاً، وعناصر تمكين هامة لإحقاق أهداف الألفية، فهذه الأخيرة، باعتبارها موضع إجماع عالمي، إذا ما وضعت في سياق يعكس الأوضاع المحلية وتوافر الإمكانات، تشكل خطوات هامة في التحقيق التدريجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


إن استناد أهداف الألفية على الإرادة السياسية الكونية وعلى مبادئ حقوق الإنسان تذكرنا أن الفقر متعدد الأبعاد وان التنمية في واقع الحال هي تجسيد للحرية بالمعنى الكامل: الحرية من البؤس والمعاناة، الحرية من الجوع، الحرية من الجهل، المرض، السكن، وعدم الأمن. إن معنى الفقر هو غياب الاحترام والاختيار والكرامة. كما أن الظلم والتمييز بشتى أنواعه يشكلان سمات من سمات الفقر، وهما بالتالي من دلالات انتهاك حقوق الإنسان.


من هنا، من الطبيعي أن يقال إن التنمية البشرية المستدامة تقتضي المشاركة الفاعلة للفقراء، وأن تحقيق أو استدامة أهداف الألفية لن يتسنى إلا من خلال إحقاق حقوق الإنسان، كمنع التمييز، والمشاركة، وحرية التعبير والتنظيم. ناشدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 35/162 الصادر في ديسمبر2000، كمتابعة لإعلان الألفية، جميع منظمات الأمم المتحدة تقديم العون لكل الدول في سعيها لتحقيق أهداف إعلان الألفية.

كما قام الأمين العام بإعداد "خريطة طريق" لرصد إنفاذ الأهداف وتقديم الدول تقاريرها عن الوفاء بالتزاماتها، وتنفيذ الأهداف وفق المؤشرات التي تضمنها الإعلان.(18) وكان الغرض من "خريطة الطريق" التأكيد على سياسات واضحة ومنسقة داخل منظمات الأمم المتحدة ومع وكالات التمويل الدولية.


وقد عبرت خريطة الطريق عن ملاحظة هامة في مجال حقوق الإنسان حول التغيير الهام في توجه الدول إلى التخلي عن مفهوم مسألة حقوق الإنسان في إطار السيادة الوطنية الضيق إلى قبول مبدأ العالمية في إطار التعاون الدولي، كما تم تحول إيجابي في هذا الصدد في عمل وكالات الأمم المتحدة المختلفة في إطار برنامج إصلاح المنظمة. وحول التزام الدول الصناعية المعلن نحو مستوى تنموي أعلى بمزيد من التعاون، أورد التقرير(19)\


“The international community has just emerged from an era of commitment. It must now enter the era of implementation, in which it mobilizes the will and resources needed to fulfil the promises made.”


تناول التقرير التحديات الأساسية التي تواجه المجتمع الدولي من الناحية العامة وفق ما ورد في إعلان الألفية والأهداف التي يجب بلوغها في ذلك الصدد، شاملة السلام والأمن الدوليين، سيادة حكم القانون الدولي، الإرهاب، المخدرات، الجريمة المنظمة، تقوية الأمم المتحدة، حفظ السلام وبنائه، نزع السلاح، زرع الألغام، والاتجار بالبشر. ومن ثم تناول التقرير جميع الأهداف الثمانية الواردة في إعلان الألفية واحدة بعد الأخرى محدداً في كل حالة الاستراتيجيات التي ينبغي على الدول اتخاذها لبلوغ الهدف المعني.

 فإذا أخذنا الهدف الثاني المعني بالتعليم الأولي، على سبيل المثال، يستعرض التقرير أوضاع التعليم الأولي في الدول النامية ويوصي بـالآتى:


* تشجيع واضعي السياسات على قبول تعليم البنات كاستراتيجية لتحقيق التعليم الأولي للجميع، وكهدف في حد ذاته.
* مواءمة نظم التعليم لحاجيات البنات الأطفال، خاصة من الوسط الفقير.
* تعزيز برامج الغذاء المدرسي لجذب البنات الأطفال.


وفق المذكرة الإرشادية الصادرة عن مجموعة الأمم المتحدة التنموية في أكتوبر/تشرين أول2000، تم إعداد مؤشرات مناسبة لرصد التقدم المحرز لكل من أهداف الألفية.(20) ويتم ذلك الرصد على المستويين القطري والدولي. فعلى الصعيد الدولي، يقدم الأمين العام تقريراً سنوياً إلي الجمعية العامة حول ما تحقق من إنجاز نحو تحقيق أهداف الألفية، كما يقدم تقريراً شاملاً كل خمس سنوات، ما يجعل من تلك التقارير آلية دينامية لمتابعة "أجندة" التنمية الدولية.


وعلى الصعيد الوطني، تساعد التقارير الواردة من الدول على إشراك واضعي السياسات وصانعي القرار مع استقطاب جهود مؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام والرأي العام، ما يشكل أسلوب متابعة لرصد الإنجازات نحو قرارات وتوصيات قمم ومؤتمرات التسعينيات. كما أن العون الفني والمالي الذي تقدمه وكالات الأمم المتحدة، الفرق القطرية، لإعداد التقارير الدورية يشكل جزءاً هاماً من إنجاز إعلان الألفية في إطار تجديد فاعلية المنظمة الدولية.


وتشكل تقارير أهداف الألفية آليات أو أدوات هامة لرفع الوعي وقدرات الإدراك بما يجدد الالتزام السياسي على المستوى القطري، وبناء القدرات للرصد وإعداد التقارير اللازمة. ويستند التقرير على (أ) الملكية القطرية اذ تقوم كل دولة باتخاذ الخطوات التي تراها مناسبة لانطباق أهداف الألفية على أوضاعها، وكيف يمكن إحقاقها في إطار الاستراتيجية والسياسات والبرامج الوطنية، ويعين الفريق القطري الدولة في مجالات الإحصاء والمعلومات؛ (ب) رفع القدرات لتحقيق الممارسة الحقيقية للملكية المحلية وخفض الاعتماد على العون الخارجي، خاصة في مجالات الإحصاء والمعلومات؛ (ج) عمل فريق الأمم المتحدة القطري مع الدولة لضمان خفض الكلفة المالية في إعداد التقرير.


ولعل الأمر الأكثر أهمية في أهداف الألفية يتضح من الجدول(21) المرفق بها الذي يشمل 18 غاية و48 مؤشراً وافقت عليها وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي. على الرغم من أن الغايات المذكورة، لا تشير صراحة إلى المواثيق الدولية، فإنها تعتبر مستندة على تلك المواثيق. فمكافحة الفقر، وإحقاق التعليم الأولي، والمساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وتخفيض وفاة الأطفال، وتحسين الرعاة الصحية، ومكافحة الإيدز والملاريا، والبيئة، وتعزيز الشراكة الدولية من أجل التنمية، جميعها تؤسس بالضرورة على إيفاء حاجيات هدفها حماية حقوق الإنسان وتحقيق الكرامة والرفاه والتقدم.

(د) استراتيجية خفض الفقرPRS
كما تقدم، اتفق المجتمع الدولي في إعلان الألفية الثالثة على اتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء على الفقر المدقع وخفض الفقر من خلال استراتيجيات وبرامج من أجل ذلك الغرض، مع الإقرار بأن خفض الفقر لن يتم إلا من خلال إنفاذ حقوق الإنسان، وكما ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية البشرية أن تحقيق مستوى حياة كريمة، والغذاء الكافي، والعناية الصحية، والتعليم، والعمل المحترم، والحماية ضد الكوارث، ليست أهدافاً تنموية فحسب، بل هي حقوق إنسانية.(22) أما البنك الدولي فقد أورد في تقريره لعام 2001 ما يلي:


“Poor people often lack legal rights that would empower them to take advantage of opportunities and protect them from arbitrary and inequitable treatment. They, more than any other group in society, are adversely affected by laws permitting discrimination, deficient laws and institutions that fail to protect individuals and property rights, and insufficient enforcement of these laws, as well as other barriers to justice.”

علقت السيدة ماري روبنسون، المفوض الأسبق لحقوق الإنسان، على ذلك الوصف أنه لا يختلف عن منظور حقوق الإنسان الذي يُعرف الفقر بأنه:

“The sustained or chronic deprivation of the resources, capabilities, choices, security and power necessary for the enjoyment of an adequate standard of living and other civil, cultural, economic, political and civil rights.”

إعمالاً لذلك، طلب رئيس لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في يوليو/تموز 2001 إعداد قواعد إرشادية لإدماج حقوق الإنسان في استراتيجيات خفض الفقر Poverty Reduction Strategies وقام المفوض السامي بتكليف عدد من الخبراء بإعداد تلك القواعد، بالتشاور مع وكالات الأمم المتحدة التنموية، بما فيها البنك الدولي والحكومات ومؤسسات المجتمع المدني.

وقد تم إعداد القواعد الإرشادية التي وافقت عليها السيدة ماري روبنسون في 10 سبتمبر/أيلول 2002، وما زالت مشروعاً قيد الدراسة بهدف تطويره ووضعه في صيغته النهائية. تهدف القواعد الإرشادية إلى عون الدول والوكالات الدولية والعاملين في مجال التنمية على ترجمة مبادئ ومعايير حقوق الإنسان الدولية في السياسات والبرامج الوطنية المنحازة إلى الفقراء، وبالتالي إلى تخفيض الفقر.


كما ورد في مقدمة القواعد الإرشادية، أن تبني منهج حقوق الإنسان في استراتيجيات تخفيض الفقر ينبغي أن يعتمد بالأساس على القيم الواردة في مواثيق حقوق الإنسان الدولية كأساس قانوني ملزم ارتضته الدولة لتضمنه في سياساتها وبرامجها، ما يعني بالضرورة "تمكين" الفقراء، إذ أصبح من المسلم به أن إزالة أو تخفيض الفقر لن تتسنى إلا من خلال تمكين الفقراء، عن طريق بناء مداركهم ووعيهم بحقوقهم.

وهذا يعني بالتالي أن سياسة تخفيض الفقر لا تقوم فقط على "حاجة" الفقير "المحتاج"، تقدمها الدولة "صدقة" أو "هبة" أو التزام أخلاقي، بل "حق" قانوني يلتزم به الآخرون، وتحميه الدولة من انتهاك الآخرين له وتعمل على إنفاذه من خلال التشريع والإجراءات الإدارية وغيرها، كي يمكن تحقيقه على الوجه الكامل. كما أن إعمال الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان تقتضي في هذا الصدد أيضاً اعتماد مبادئ "العالمية" و"المحاسبة" و"المساواة وعدم التمييز" و"مشاركة" الفقراء في صنع القرار ورصد آلياته والالتزام بتنفيذه وفق ما ورد في الشرعة الدولية حول الحق في المساهمة في الشؤون العامة.

 توالي الإرشادات لتؤكد على أن عملية إعداد استراتيجيات خفض الفقر من زاوية حقوق الإنسان تقتضي بداية تحديد من هم الفقراء (سمات الفقر) في الإطارين المحلي والدولي: المساواة وعدم التمييز وضرورة تحقيق تقدم في حقوق الإنسان بموجب مؤشرات محددة كالمشاركة والتمكين.


وبالنسبة لمحتوى الاستراتيجيات، تحدد الإرشادات عدداً من الحقوق (الغذاء الكافي، الصحة، التعليم، العمل المجزي، السكن، الأمان الشخصي، الظهور في الأماكن العامة دون خشية أو خجل والحرية). وفي كل حالة يتم تحديد أهمية نطاق الحق منسوباً إلى مبدأ محدد في المواثيق الدولية، وفي المبادئ التي تم إقرارها في القمم والمؤتمرات الدولية، مع تحديد واضح للأهداف والمؤشرات اللازمة لتحقيق ذلك الحق. وعلى المستوى الدولي، تحدد الإرشادات الحق في التعاون الدولي وفق الإطار القانوني ذي الصلة، وينبغي الإقرار بالتزامات المجتمع الدولي، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة ومؤسسات التمويل الدولي نحو مكافحة الفقر(23)، بل وحقوق الإنسان كافة.


في هذا الصدد، يوصي مشروع الإرشادات بأن يضع مكتب المفوض السامي ضمن أولوياته تكثيف التشاور والتضامن بين الوكالات لإشراك مؤسسات التمويل الدولية في كل جهود إدماج حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص مساهمة مؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي والصندوق) بفاعلية في جهود اللجان التعاقدية، وتنفيذ قراراتها بعد استعراض تلك اللجان لتقارير الدول المختلفة. وعلى الرغم من أن المؤسستين الماليتين قد لا يتبنيا منهج إدماج حقوق الإنسان بالشكل المطروح، فيمكنهما لعب دور أساسي بترك أمر إدماج حقوق الإنسان للأمم المتحدة، والسعي إلى التأكيد أن سياساتها، أي البنك والصندوق، بالنسبة إلى الاقتصاد الكلي macro-economics لا تقلل من دور عمليات المساهمة المجتمعية وأن إجراءات اللامركزية لا تخالف منهج الحق الذي تتبعه وكالات الأمم المتحدة.

وطالما أن البنك الدولي يسعى لتشجيع مبدأ المشاركة ودور المجتمع المدني، فهناك نقطة التقاء بين منطلق الأمم المتحدة مع سياسات البنك. أما عن أسلوب إدماج حقوق الإنسان في استراتيجية الفقر، فإن وثيقة أو ورقة استراتيجية تخفيض الفقرPoverty Reduction Strategy Paper (PRSP)، التي يعمل بموجبها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (بخلاف التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي الذي تعمل بموجبه وكالات الأمم المتحدة بالمشاركة مع الحكومة والمجتمع المدني)، فتعتبر، أي الـ PRSP، أهم وثيقة تخطيط بالنسبة للحكومات، يقرها البنك والصندوق بالتضامن كشرط أساسي قبل أن يقوما بعدئذ بإيجاد الموارد اللازمة لتمويلها بموجب شروطهما وتحديدهما لمعايير السياسات التنموية السليمة.

فالوثيقة لا تعتبر في واقع الأمر مملوكة للدولة بسبب هيمنة المؤسستين الدوليتين. ذلك على الرغم من أن المؤسستين تطرحان دوماً ضرورة مشاركة المجتمع المدني. وتعتبر تلك الوثائق أهم اعتبارات بالنسبة للمؤسستين في إعفاء أو جدولة الديون والإقراض، على الرغم من رأي البعض انهما، في المدى القريب، قد يؤثران سلباً على الفقراء بسبب ضبط الأنفاق والخصخصة، اللتان تفضيان إلى البطالة، والإصرار على فرض رسوم على خدمات الصحة والتعليم، ورفع الدعم عن الفئات المستضعفة.


من جانب آخر، تهدف إرشادات مجموعة الأمم المتحدة التنموية أن تتفاعل فرق الأمم المتحدة القطرية مع وثائق خفض الفقر وأخذها بعين الاعتبار كي تلعب الفرق القطرية دوراً هاماً لتعزيز مبادئ حقوق الإنسان الأساسية من خلال التركيز على الأكثر فقراً والمهمشين، وتناول التحليل التنموي بالتجزئة من ناحية النوع الاجتماعي، السن، النوع الإثني والإقليم والمنطقة (ريف/حضر)، المشاركة الفاعلة في أهداف الألفية والرصد وتطوير سياسات منحازة للفقراء وتعزيز التمكين والحقوق.


على الرغم من ذلك، يخلص الخبراء إلى:
“Nevertheless, there is no doubt that the PRSP processes will be the most relevant ones towards which to direct one’s attention when it comes to integrating human rights, and particularly economic, social and cultural rights, into the development programming processes in the poorest countries today. By cautiously addressing the three processes mentioned above (CCA/UNDAF, MDG, PRSP), taking maximum advantage of the MDGs with their indicators, and working seriously with the other UN and BW1 actors to make these indicators more appropriate for monitoring (for example, realization of rights in the ICESCR) this could become a good entry point for a rights-based approach in SHD programming.”(24)


هـ- اللجان التعاقديةTreaty Bodies
اللجان التعاقدية، أو التعاهدية، هي اللجان المستقلة المعنية برصد أوضاع حقوق الإنسان والتزامات الدول بها بموجب سبع اتفاقيات وعهود معنية بحقوق الإنسان هي: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقية مناهضة التمييز العنصري، اتفاقية مكافحة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية مناهضة التعذيب، اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حقوق العمال المهاجرين وجميع أفراد أسرهم.


تنص كل من تلك الاتفاقيات،(25) على إنشاء لجنة خبراء مستقلة مختصة تعنى برصد أوضاع حقوق الإنسان ووفاء الدولة بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاقية، بناء على التقارير الدورية التي تلتزم الدول بتقديمها إلى اللجنة من وقت لآخر عن أحوال حقوق الإنسان والتقدم المحرز بشأنها في النواحى التشريعية والسياسية والإدارية، والخطط والخطوات التي تتخذها الدول في ذلك الشأن. وتستعين اللجان أيضاً بالتقارير "الموازية" التي تتقدم بها منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، وتقارير وكالات الأمم المتحدة العاملة في البلد المعني، والجهات الأخرى ذات الصلة كالخبراء والمقررين الخاصين وأجهزة الإعلام.


تقوم اللجان بدراسة جميع تلك التقارير وبمناقشتها مع ممثلي الدولة المعنية متناولة كل الجوانب ذات الصلة بأوضاع حقوق الإنسان من تحسن وتقدم، وقصور وانتهاكات، وفق نصوص الاتفاقية المعنية، وتقوم اللجان بعد ذلك بوضع تقاريرها حول الإنجازات والاخفاقات التي تلاحظها، كما تقدم توصياتها حول الخطوات التي ينبغي على الدولة اتخاذها للوفاء بالتزاماتها الدولية لفحصها في التقرير الدوري القادم.


فضلاً عن ذلك، درجت اللجان التعاقدية على وضـع التعليقات العامـةGeneral Observations حول مقتضيات إنفاذ بعض القواعد في الاتفاقية المعنية، ما يعني تفسير نصوص المواد وما ينبغي على الدول اتخاذه من خطوات وسياسات وفاءً بالتزاماتها، وقد كونت الملاحظات العامة فقهاً قانونياً مستفيضاً في تفسير معاني نصوص تلك الاتفاقيات وصلتها بالقانون الدولي ودور المجتمع الدولي في تفعيل المبادئ الواردة فيها.


تؤكد العديد من التقارير والدراسات أن تقارير اللجان التعاقدية وتعليقاتها العامة، وتقارير المقررين الخاصين، والخبراء، التابعين إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فضلاً عن تقارير المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية التي ترفع إلى تلك اللجان، تشكل عوناً هاماً للدول ولمنظمات الأمم المتحدة في إعداد وثائق التقييم القطري/الإطار التعاوني التنموي للأمم المتحدة، وفي العمل نحو تحقيق أهداف الألفية وجهود إزالة أو الحد من الفقر، وفي إدماج حقوق الإنسان في التنمية، خاصة على مستوى القطر وعلى صعيد برامج وكالات الأمم المتحدة ضمن نظام المنسق المقيم.


على سبيل المثال، أصدرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عدداً من الملاحظات العامة أوضحت: أغراض الملاحظات، التعاون الفني، طبيعة التزام الدولة، وحقوق المعوقين والحق في السكن، الصحة، التعليم، العجزة، التعليم، الغذاء، المياه، وتطبيق العهد الدولي على الصعيد المحلي، ودور اللجان الوطنية لحقوق الإنسان في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وإذا أخذنا الحق في التعليم كمثال، نجد أن الملاحظة العامة رقم (13) وضعت الأسس العملية لإنجاز الحق في التعليم بالإشارة إلى (i) الطبيعة العامة للالتزام (ii) أدوات السياسة العامة (iii) شروط إنفاذ الحق (iv) الأشخاص المعنيين بذلك أي المستهدفين، الضحايا وحاملي الالتزام. كما أسهمت اللجنة بجهود ضخمة في تفسير الحقوق الواردة في العهد واستنباط حقوق ذات صلة كالحق في "المياه" الذي ارتأت اللجنة أنه حق ضروري لا ينفصل عن الحق في الغذاء المناسب وتحسين الأحوال المعيشية بموجب المادة (11) من العهد الدولي.(26)
من جانب آخر يبدو أن هناك حاجة ماسة لقيام الخبراء في اللجان التعاقدية بدور فاعل في تناول التقارير القطرية من زاوية إعمال منهج حقوق الإنسان، ويصح ذلك بشكل خاص بالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.


لذا تقتضي الضرورة أن يكون لدى وكالات الأمـم المتحدة التنمويـة، أو بالأحـرى الفريـق القطري، إلماماً تاماً بتقارير اللجان التعاقدية القطرية وبالملاحظات والتعليقات العامة التي تصدرها تلك اللجان حول تفسير العهود والمواثيق المعنية. يؤكد هذا ما ذهبت إليه ورشة العمل المشتركة الثانية بين الوكالات تحت رعاية مجموعة الأمم المتحدة التنموية والتي شارك فيها 76 مشاركاً من الوكالات والفرق القطرية ومؤسسات التمويل، حيث خلصت الورشة إلى(27)

“With regard to UN human rights treaty bodies, UNCTs often lacked knowledge about how to relate to such bodies and their products. There is sometimes a disconnect between UNCTs and the treaty-bodies. Treaty-body guidelines and recommendations were often not directly relevant to the work of the UNCTs. The treaty-body reporting processes are in need of further support at both national and international levels.”

الخلاصة


نخلص مما تقدم أن الحق في التنمية اصبح واقعاً تسنده المؤتمرات والقمم والمواثيق الدولية وتطالب به كل دول العالم، باستثناء بعض الدول الرأسمالية، كما تدعمه المنظمة الدولية التي تجاوزت مجرد الإقرار بالحق في التنمية إلى إعمال منظومة حقوق الإنسان بكاملها أساساً لاستراتيجية وبرمجة التنمية. وبالرغم من الصعاب والعقبات العملية التي ما زالت تواجهها الأمم المتحدة، فإن هناك تقدماً حقيقياً في ذلك الصدد. وقد أقرت ورشة عمل الوكالات المتخصصة الثانية في ستامفورد بتقدم ملحوظ في أعمال التنمية القائمة على منهج حقوق الإنسان بواسطة عدد من فرق الأمم المتحدة القطرية مـن  خلال التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي. وأوصت بالمزيد من الجهود ليشمل ذلك جميع أنشطة المنظمة التنموية(28) وبناء القدرات اللازمة لذلك. كما سلف القول، يقتضي أن يكون ذلك داخل الوكالات المختلفة والفرق القطرية من خلال الكوادر البشرية المؤهلة والتدريب وبالنسبة لمكتب المفوض السامي للعون الفني وتقديم التجارب الناجحة المختلفة والدروس المستفادة من السوابق في الدول المختلفة. كما أقرت الورشة المذكورة مذكرة تفاهم مشترك حول إدماج حقوق الإنسان تم اعتمادها لاحقاً بواسطة مجموعة الأمم المتحدة التنموية.(29)

بنفس القدر الذي ترتبط فيه هذه المقتضيات بالنسبة إلى التقييم القطري المشترك/إطار الأمم المتحدة للتعاون التنموي، فإنها تنطبق على برامج إحقاق أهداف الألفية وبرامج وأدوات تحفيف الفقر والتعامل مع تقارير اللجان التعاقدية.


وعلى حد قول ماري روبنسون، المفوض السامي لحقوق الإنسان الأسبق، فإن أشراط تحقيق التنمية القائمة على منهاج حقوق الإنسان تقتضي إلمام القائمين على التنمية بمعايير حقوق الإنسان، كما تقتضي إلمام القانونيين أو العاملين على حقوق الإنسان بمفاهيم ومعايير التنمية:


“Lawyers should not be the only voice in human rights and, equally, economists should not be the only voice in development. The challenge now is to demonstrate how the asset represented by human rights principles, a form of international public goods, can be of value in pursuing the overarching development objective, the eradication of poverty”. (30)


هكذا فإن عملية إدماج حقوق الإنسان في التنمية تظل مسألة تراكمية تتطور من وقت لآخر إلى حين تترسخ القناعة وتنبني الإرادة ويتبلور الالتزام بها من جانب الوكالات الدولية والحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والمانحين.


responsibility for homelessness, hunger, and other manifestations of poverty. (31)

 

 

ختاماً نكرر قول البروفسور ريتشارد فورك:

 

 “It is true that human rights efforts have been most successful with political abuses. Yet, to create the sort of solidarity needed to promote the dignity of persons throughout the world, it is crucial to address economic deprivations associated with poverty as human rights issues…..The bottom line is that a country that fails to address the basic needs of its entire population is guilty of human rights violations. This approach puts a lot of pressure on poor countries and the economically disadvantaged in various ways. It also exerts pressure on the United States and other prosperous nations that practice a form of market economics that does not take responsibility for homelessness, hunger, and other manifestations of poverty. (31)

المصادر :

(1) عبد العزيز النويضي، الحق في التنمية، 1998، ص 2- 3

(2) نفس المصدر

(3) نفس المصدر

(3) د.كريمة كريم، (الحق في التنمية) ندوة حقوق الإنسان والتنمية، القاهرة 7 – 9 يونيه، 1999.

(4) From High Principle to Operating Practic Willliam O’Neil & Vivyard Bye,، تقرير غير منشور، مارس 2002.

(5) المصدر السابق.

(6) يسرى مصطفى، دور المنظمات الأهلية في مؤتمرات الأمم المتحدة، القاهرة، 2002، ص 86

(7) World Bank, Precis No. 209, Fall 2001

(8) المصدر السابق

(9) الجمعية العامة، الدورة الثامنة والخمسون، A/58/817 تاريخ 11 يونيه 2004.

(10) المصدر السابق

(11)UN Guidelines and Information for Resident Coordinators on the UN System and H. R

(12) Sub-Regional Facility وهي آلية أنشأها برنامج الأمم المتحدة للإنماء لتقديم العون التقني لفرق برنامج الأمم المتحدة القطرية في مجالات التنمية وإدماج حقوق الإنسان.

(13) William O’Neill and Vegard Bye، مرجع سابق

(14) Common Country Assessment/UN Development Assistance Framework

(15) Draft Guidelines on Poverty Reduction Strategies

(16) الجدول المرفق رقم (1).

(17) تقرير الأمين العام "خريطة الطريق"، 6 سبتمبر 2001، ص 7.

(18) نفس المصدر.

(19) الجدول المرفق رقم (2).

(20) الجدول المرفق رقم (2).

(21) UNDP Human Development Report, Human Rights and Human Development, 200, P.8

(22) O’Neil William ص 18، مصدر سابق

(23) O'Neil William، مصدر سابق، ص 17

(24) عدا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تكونت لجنته بموجب قرار من المجلس الاقتصادي والاجتماعي في 1985.

(25) لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 15، الدور التاسعة والعشرين(2002)

(26) Second Inter-agency Workshop on RBA, P.4

(27) Second Interagency Workshop, Stamford, P.2

(28) المرجع السابق

(29) Mary Robinson: “Draft Guidelines: A Human Rights Approach to Poverty Reduction Strategies”

(30) Richard Fork, Think Again, Foreign Policy Magazine, March – April 2004, P.22